الصين تدعو لاحترام السيادة الرقمية في سباق الذكاء الاصطناعي.. مواجهة جديدة مع واشنطن
دخل سباق الذكاء الاصطناعي بين الصين والولايات المتحدة مرحلة أكثر ارتباطًا بالجغرافيا السياسية، بعدما دعت بكين، الأربعاء 19 أغسطس/آب 2026، إلى احترام «السيادة الرقمية» لكل دولة، رافضة ما وصفته بمحاولات تشكيل تحالفات أو دفع دول العالم إلى الاصطفاف بين القوتين.
بكين ترفض سياسة الاصطفاف
قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان إن بلاده تعارض الانحياز إلى طرف أو تشكيل «معسكرات» في مجال الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن لكل دولة الحق في اختيار شركائها التقنيين وفقًا لظروفها واحتياجاتها التنموية.
وجاء الموقف الصيني ردًا على تقارير أفادت بأن الولايات المتحدة تستعد لمطالبة عشرات الدول بالاختيار بين واشنطن وبكين في مجال الذكاء الاصطناعي، مع تحذير الدول التي تتعاون مع الإطار الصيني المنافس من إمكانية استبعادها من بعض أطر التعاون الأمريكية المستقبلية.
«حرب تحالفات» في التكنولوجيا
لم يعد التنافس بين بكين وواشنطن يقتصر على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي أو امتلاك الرقائق المتقدمة، بل يتجه نحو بناء منظومات دولية متنافسة تشمل أشباه الموصلات، وسلاسل الإمداد، والبيانات، ومراكز الحوسبة، والمعايير التقنية.
وتسعى واشنطن عبر مبادراتها وشراكاتها إلى تأمين سلاسل توريد التقنيات الحيوية ومنع الصين من الوصول إلى بعض الموارد والتقنيات التي يمكن أن تعزز قدراتها في الذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، تعمل بكين على توسيع حضورها التكنولوجي خارج حدودها وتعزيز التعاون مع دول ترغب في الاستفادة من التقنيات الصينية.
ما المقصود بالسيادة الرقمية؟
تشير «السيادة الرقمية» بصورة عامة إلى قدرة الدولة على التحكم في بنيتها التكنولوجية وبياناتها وأنظمتها الرقمية، واتخاذ قراراتها المتعلقة بالتكنولوجيا بعيدًا عن الضغوط الخارجية.
وتكتسب الفكرة أهمية متزايدة مع اعتماد الذكاء الاصطناعي على كميات ضخمة من البيانات، إضافة إلى الحاجة إلى رقائق متقدمة وقدرات حوسبة ومراكز بيانات وشبكات اتصالات. وبالتالي، فإن امتلاك هذه الموارد بات جزءًا من عناصر القوة الاقتصادية والأمنية للدول.
الصين تراهن على البيانات
تزامن التصعيد الدبلوماسي مع تقرير أمريكي حذر من أن طريقة تعامل الصين مع البيانات تمنحها ميزة استراتيجية في سباق الذكاء الاصطناعي. واعتبر التقرير البيانات موردًا وطنيًا استراتيجيًا تستخدمه بكين لتعزيز قدراتها في مجالات مثل التصنيع المتقدم والروبوتات والذكاء الاصطناعي المتجسد.
وتدفع الصين في الوقت نفسه باتجاه تطوير منظومة ذكاء اصطناعي أكثر اعتمادًا على قدراتها المحلية، فيما حققت شركات صينية تقدمًا ملحوظًا في النماذج مفتوحة الأوزان ومنخفضة التكلفة، وهو ما ساعد على زيادة جاذبية التقنيات الصينية في عدد من الأسواق، خصوصًا في الدول النامية.
دول أمام خيارات صعبة
المواجهة بين القوتين تضع العديد من الدول أمام معادلة معقدة. فالدول التي تحتاج إلى التكنولوجيا والاستثمارات الأمريكية قد تجد نفسها مطالبة بتقليص تعاونها مع الصين، بينما قد ترغب دول أخرى في الاستفادة من التقنيات الصينية دون التخلي عن علاقاتها مع واشنطن.
وهنا تبرز رسالة بكين بشأن «السيادة الرقمية»: لا ينبغي، وفق الرؤية الصينية، أن تتحول المنافسة التكنولوجية إلى نظام عالمي قائم على إجبار الدول على اختيار أحد المعسكرين.
سباق يتجاوز الذكاء الاصطناعي
وتكشف التطورات الأخيرة أن الذكاء الاصطناعي يتحول تدريجيًا إلى أحد ميادين التنافس الاستراتيجي بين القوى الكبرى، على غرار ما شهدته قطاعات الطاقة والاتصالات وأشباه الموصلات.
وبينما تحاول الولايات المتحدة حماية تفوقها التكنولوجي وبناء شبكة من الشركاء، تسعى الصين إلى تقديم نفسها بوصفها خيارًا بديلًا لا يفرض على الدول الانضمام إلى منظومة غربية واحدة.
وفي المحصلة، فإن معركة الذكاء الاصطناعي لم تعد تدور فقط حول من يطور النموذج الأكثر تقدمًا، وإنما أيضًا حول من يضع القواعد، ومن يملك البيانات والبنية التحتية، ومن يستطيع تشكيل التحالفات التي ستحدد مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.
