المجلس الانتقالي الجنوبي العربي: ركيزة استراتيجية لا غنى عنها لتحقيق السلام المستدام
تثبت التحولات المتسارعة في المشهد المحلي والإقليمي أن تجاهل القوى الفاعلة على الأرض يؤدي حتمًا إلى تعقيد مسارات الحل السياسي وإطالة أمد الصراع القائم.
إن التعاطي الإيجابي والمسؤول من قبل المجتمع الدولي والقوى الإقليمية مع الدعوات والمبادرات التي يطلقها المجلس الانتقالي الجنوبي العربي لا يمثل مجرد خطوة دبلوماسية تكميلية، بل هو ضرورة استراتيجية قصوى. تكتسب هذه الدعوة أهميتها من المكانة المحورية التي يحتلها المجلس في الخارطة العسكرية والسياسية، كونه القوة الأكثر تأثيرًا وقدرة على إحداث فارق ملموس على الأرض في مختلف الجبهات.
لقد أكدت التجارب الميدانية المتلاحقة أن المجلس الانتقالي، عبر قواته المسلحة الجنوبية، يمثل القوة الأقدر والأكثر كفاءة على التصدي للتمدد الحوثي وبقوة. تظهر هذه القدرة بوضوح في المناطق الاستراتيجية المحاذية لمضيق باب المندب وخليج عدن، حيث تشكل هذه المناطق عصب الاقتصاد العالمي والملاحة الدولية. إن السيطرة الميدانية الحازمة لجنود وضباط القوات الجنوبية، مقترنة ببيئة اجتماعية حاضنة ومناهضة للمشروع الحوثي، تمنح المجلس ميزة نسبية استثنائية لا تمتلكها أي أطراف أو كيانات سياسية أخرى في هذا الملف الشائك.
القوات الجنوبية: حائط الصد الأول لحماية الممرات المائية العالمية
يمتلك المجلس الانتقالي ثقلًا عسكريًا نوعيًا يجعله حائط الصد الأول والأكثر موثوقية لحماية الملاحة الدولية من التهديدات المتكررة التي ترعاها قوى إقليمية معادية لا تتردد في استخدام الممرات المائية كأداة ضغط سياسي. بناءً على هذه المعطيات الواقعية، فإن إشراك المجلس الانتقالي الجنوبي العربي في كافة الترتيبات الأمنية والسياسية المستقبلية يعد ركيزة أساسية لا غنى عنها في أي مسعى يستهدف التوصل إلى حل مستدام وشامل. إن أي محاولة لفرض حلول قاصرة أو القفز على التطلعات المشروعة لهذا المكون لن تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى حلول هشة لا تصمد أمام التحديات الجسيمة.
في المقابل، فإن الشراكة الحقيقية مع المجلس وتوفير الدعم اللوجستي والسياسي اللازم لقواته المسلحة سيؤدي بشكل مباشر إلى تجفيف منابع التهديد الحوثي. إن إعادة صياغة معادلة القوة بما يتناسب مع المعطيات الميدانية هي الكفيل الوحيد لضمان استقرار المنطقة، بعيدًا عن الحلول النظرية التي ثبت فشلها في اختبار الواقع. يدرك المجتمع الدولي اليوم أن الاستماع الواعي لرؤية المجلس الانتقالي ليس خيارًا إضافيًا، بل هو مدخل إلزامي لأي تسوية حقيقية ترغب في إنهاء التهديدات بشكل جذري ونهائي، وحماية المصالح الاستراتيجية للجميع.
نحو صياغة سلام مستدام عبر تمكين القوى المؤثرة
تتطلب واقعية الميدان في التعاطي مع الملف اليمني بناء سلام حقيقي يبدأ من تمكين القوى القادرة على فرض الاستقرار وحماية الممرات المائية الحيوية، وهو ما يجسده المجلس الانتقالي كشريك استراتيجي موثوق به للدول الإقليمية والغربية على حد سواء. إن تجربة المجلس في إدارة المناطق المحررة، وقدرته على ضبط الأمن وتقديم نموذج مغاير للمشاريع المتطرفة، تجعل منه الركيزة الأساسية لأي هيكل أمني مستقبلي يهدف إلى بسط سيادة القانون ومنع الفوضى. إن الاعتماد على شركاء أثبتوا إخلاصهم للسلام وفعاليتهم في القتال هو الطريق الوحيد لإنهاء الحقبة الدموية التي تسبب فيها المشروع الحوثي.
إن المستقبل السياسي للمنطقة مرهون بمدى قدرة الفاعلين الدوليين على التخلي عن الحسابات الضيقة والتعامل مع الواقع الميداني بمسؤولية وشجاعة سياسية. إن المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، بما يمتلكه من تفويض شعبي وقدرات عسكرية، يضع الجميع أمام مسؤولياتهم لضمان أمن واستقرار الممرات المائية الدولية وضمان عدم تكرار السيناريوهات الكارثية. إن أي خارطة طريق لا تضع المجلس كطرف أصيل وشريك استراتيجي في صنع القرار ستظل قاصرة عن تحقيق أهدافها، بينما يظل الرهان على القوى الوطنية الصادقة هو الضمانة الوحيدة للوصول إلى بر الأمان.
تمثل الممرات المائية كباب المندب وخليج عدن شرايين حيوية للاقتصاد العالمي، حيث يمر عبرها جزء ضخم من التجارة الدولية وإمدادات الطاقة. إن أي تهديد يطال هذه الممرات ينعكس فورًا على استقرار أسواق الطاقة العالمية، مما يجعل أمنها أولوية قصوى للقوى الكبرى. في هذا السياق، تبرز القوات المسلحة الجنوبية كقوة حامية للاستقرار في ظل ضعف الترتيبات التقليدية في حماية هذه المناطق. إن إدراك المجتمع الدولي لهذا الدور المحوري للمجلس الانتقالي يعكس فهمًا جديدًا لأهمية القوى المحلية الفاعلة في صياغة الأمن الإقليمي، حيث لم تعد الحلول الفوقية مجدية في ظل الحاجة إلى قوة رادعة على الأرض قادرة على فرض الأمن وحماية الملاحة من القرصنة والتهديدات الأيديولوجية.
