من خلال فحص الدم فقط: اكتشاف طفرة جينية تفتح الباب لعلاجات سرطان الثدي الأكثر دقة
سجل القطاع الصحي في إمارة أبوظبي إنجازًا طبيًا عالميًا غير مسبوق، تمثل في تقديم علاج "كاميزسترانت" (Camizestrant) لأول مرة على مستوى العالم لمريضة ضمن مسار الرعاية السريرية المتخصصة، حيث يأتي هذا التطور تحت إشراف دائرة الصحة - أبوظبي وبالتعاون الاستراتيجي مع معهد برجيل للأورام، ليعزز مكانة العاصمة كوجهة رائدة في مجال الطب الدقيق والرعاية الصحية المتطورة.
يهدف هذا العلاج المتطور إلى توفير خيارات علاجية فائقة الدقة للمرضى الذين أظهرت حالاتهم مقاومة للعلاجات الهرمونية التقليدية، مما يمثل تحولًا جوهريًا في كيفية التعامل مع سرطان الثدي المتقدم، حيث تعتمد هذه التقنية على التدخل المبكر بناءً على تشخيصات جزيئية دقيقة، مما يسهم بشكل مباشر في تحسين النتائج العلاجية والحفاظ على جودة حياة المرضى بشكل أفضل.
التشخيص الجزيئي: بوابة العلاج الاستباقي
جاء تطبيق هذا العلاج بناءً على نتائج فحوصات دقيقة لمريضة في العقد الرابع من عمرها، حيث أظهرت التحاليل إصابتها بطفرة جينية في جين "ESR1"، وهي طفرة معروفة بقدرتها على جعل الخلايا السرطانية أكثر مقاومة للعلاجات التقليدية، مما يؤدي غالبًا إلى تسارع وتيرة تطور المرض وصعوبة السيطرة عليه بالطرق المعتادة.
اعتمد الأطباء في معهد برجيل على تقنية متطورة لمتابعة الحمض النووي الورمي المنتشر في الدم (ctDNA)، وهي وسيلة تشخيصية غير جراحية تسمح بالكشف التغيرات الجزيئية في عينات الدم قبل ظهور أي أعراض سريرية واضحة أو تغيرات إشعاعية في الفحوصات التصويرية، مما يمنح الفريق الطبي القدرة على اتخاذ قرارات علاجية استباقية وتغيير مسار الخطة العلاجية في الوقت المثالي.
رؤية أبوظبي لمستقبل الرعاية الصحية الذكية
أكدت الدكتورة نورة خميس الغيثي، وكيل دائرة الصحة - أبوظبي، أن هذا الإنجاز يجسد رؤية الإمارة الطموحة لبناء منظومة صحية ذكية وقائمة على الوقاية، حيث لا يقتصر دور المؤسسات الصحية على علاج الأمراض بعد وقوعها، بل يمتد ليشمل الاستباق والتدخل المبكر من خلال توظيف أحدث الابتكارات الطبية والتقنيات العالمية المتطورة.
تواصل أبوظبي ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للرعاية الصحية المتخصصة من خلال دمج الطب الدقيق والعلاجات الحديثة في رحلة علاج المرضى، حيث تسعى الدائرة دائمًا إلى تمكين المجتمع من الوصول إلى أفضل الخدمات الطبية المبتكرة، وهو ما يساهم في تحسين المؤشرات الصحية العامة وتعزيز جودة الحياة للمواطنين والمقيمين على حد سواء.
معهد برجيل: نموذج متكامل في طب الأورام الدقيق
من جانبه، أوضح البروفيسور حميد بن حرمل الشامسي، الرئيس التنفيذي لمعهد برجيل للأورام، أن المعهد يتبنى نموذجًا علاجيًا متكاملًا يعتمد على المراقبة الجزيئية المستمرة ودمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الحيوية، مما يجعل المعهد أول مركز عالمي يطبق هذا النهج العلاجي المبتكر ضمن الممارسة السريرية اليومية للمرضى الذين يواجهون تحديات علاجية معقدة.
يستند هذا النهج المبتكر إلى نتائج دراسة "SERENA-6" العالمية، التي أثبتت بالأرقام أن التحول نحو علاج "كاميزسترانت" فور اكتشاف طفرة "ESR1" يسهم في خفض خطر تطور المرض أو الوفاة بنسبة تصل إلى 56% مقارنة بالطرق التقليدية، مما يجعل من هذه الدراسة مرجعًا عالميًا جديدًا يغير بروتوكولات علاج سرطان الثدي المتقدم حول العالم.
نحو مستقبل أكثر إشراقًا لمرضى السرطان
يواصل معهد برجيل للأورام تعزيز حضوره كوجهة مفضلة لتقديم خدمات التشخيص الجزيئي والعلاجات المبتكرة، حيث يحرص المعهد على تقديم نهج متعدد التخصصات لتقييم الحالات الأكثر دقة، مع التوسع في إجراء التجارب السريرية والاستثمار المكثف في البحث العلمي والتقنيات الحديثة، لضمان حصول المرضى على أفضل فرص الشفاء المتاحة عالميًا.
إن هذا الإنجاز الطبي لا يمثل مجرد توفير لدواء جديد، بل هو شهادة حية على مدى التزام المؤسسات الصحية في أبوظبي بتبني العلم الحديث وتطبيقه لخدمة الإنسانية، مما يضمن للمرضى استمرارية في الحصول على أرقى معايير الرعاية الصحية العالمية، ويضع العاصمة الإماراتية في الصدارة دائمًا كنموذج يحتذى به في تطوير القطاع الصحي التخصصي.
