الثورة المسروقة.. الخيانة والأمل في وجدان "إيران الحديثة"
في غمرة التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، يظل الملف الإيراني واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا؛ ليس فقط بسبب طموحات طهران الإقليمية أو برنامجها النووي، بل بسبب التناقض الصارخ والدفين داخل المجتمع الإيراني نفسه. إنه الصراع المستمر بين "ثورة سُرقت" طموحاتها قبل عقود، وبين "أمل متجدد" يقوده جيل شاب يرفض الاستسلام للأمر الواقع.
1. جذر الحكاية: كيف تحول التحالف الوطني إلى إقصاء؟
يعود مصطلح "الثورة المسروقة" إلى الأدبيات السياسية التي أرّخت لعام 1979. حينها، لم تكن الإطاحة بنظام الشاه محمد رضا بهلوي صنيعة تيار واحد، بل كانت ملحمة شعبية شارك فيها الليبراليون، واليساريون، والمثقفون، وحركات الطلاب، والتجار، إلى جانب رجال الدين.
غير أن المشهد انحرف سريعًا بعد سقوط النظام الملكي عبر آليات إقصائية ممنهجة:
تصفية الشركاء: جرى تحجيم وحظر الأحزاب السياسية غير الدينية التي قادت الشارع.
دسترة السلطة المطلقة: صياغة مفهوم ولاية الفقيه وتركيز الصلاحيات التشريعية والتنفيذية والعسكرية في يد "المرشد الأعلى"، مما أفرغ المؤسسات الديمقراطية من محتواها الحقيقي.
عقيدة الحرس الثوري: تأسيس (IRGC) كقوة موازية لحماية النظام، والتي تمددت بمرور الوقت لتسيير مفاصل الاقتصاد والسياسة الخارجية.
2. مرارة الخيانة: الفجوة الجيلية والانفصام المجتمعي
تتجلى الخيانة السياسية -بمنظور الشارع الإيراني- في المفارقة بين وعود ثورة 1979 بالعدالة والحرية، وبين الواقع المعاش في عام 2026. هذا الواقع أنتج انفصامًا مجتمعيًا غير مسبوق:
معادلة العيش في إيران: يعيش المواطن الإيراني (خاصة الشباب) في عالمين؛ عالم منزلي وخاص يتسم بالحداثة والانفتاح ومواكبة العالم، وعالم عام تفرضه قوانين صارمة وقيود أيديولوجية صارمة في الشوارع والمؤسسات.
على الصعيد الاقتصادي، يعاني الداخل الإيراني من وطأة العقوبات الدولية المستمرة وسوء الإدارة، ما أدى إلى تآكل الطبقة الوسطى -التي تُعد تاريخيًا محرك التغيير- وتحول الدعم الحكومي إلى أداة للسيطرة والولاء.
3. بارقة الأمل: من الإصلاح إلى "التغيير الجذري"
رغم أدوات القمع والرقابة اللصيقة، لم يمت الأمل في الشارع الإيراني، بل شهد تحولًا نوعيًا في العقود الأخيرة. لم يعد المتظاهرون يطالبون بـ "إصلاح" النظام من الداخل (كما حدث في الحركة الخضراء عام 2009)، بل بات السقف هو التغيير الهيكلي الشامل.
أدوات الأمل المعاصر:
قيادة نسائية وشبابية: أثبت الحراك الممتد منذ عام 2022 (إثر وفاة مهسا أميني) أن الجيل الجديد (Gen Z) كسر حاجز الخوف التقليدي، مستخدمًا الفن الرقمي، شبكات التواصل، والعصيان المدني كأدوات يومية للمقاومة.
تجاوز الانقسامات العرقية: لأول مرة، توحدت الهتافات بين القوميات المختلفة (الأكراد، البلوش، الآذريين، والفرس) تحت شعار واحد، مما أسقط ورقة النظام التي ما دام لوّحت بخطر "تفتيت البلاد".
إن قصة إيران الحديثة ليست مجرد قصة نظام سلطوي يفرض قبضته، بل هي قصة مجتمع حيّ يرفض أن يُختزل في أيديولوجية واحدة. وبين مرارة "الثورة التي سُرقت" وعزيمة الجيل الذي يتطلع إلى استرداد بلاده، تظل إيران ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات، حيث يثبت التاريخ أن الشعوب ذات الإرث الحضاري الضارب في القدم قادرة دائمًا على إعادة كتابة مستقبلها.
