ممران تحت المجهر.. كيف يدفع أمن الملاحة الدولي ثمن معادلة المضايق الإيرانية؟
أعاد التفجير العسكري الأخير بين إيران وإسرائيل تسليط الضوء على المعضلة الأكبر التي تؤرق الاقتصاد العالمي وحركة التجارة الدولية: "أمن الممرات المائية". فمن مضيق هرمز في الخليج العربي، وصولًا إلى مضيق باب المندب والبحر الأحمر، تفرض الاستراتيجية العسكرية لطهران وشبكة تحالفاتها الإقليمية ضغوطًا خانقة غيرت ملامح حركة الشحن البحري، ورفعت كلفة التأمين، ودفعت القوى الدولية لاتخاذ إجراءات عقابية وصارمة غير مسبوقة.
ولم يعد الصراع منحصرًا في جبهات القتال التقليدية، بل تحولت الممرات التي تعبر منها نحو ثلث إمدادات الطاقة والتجارة البحرية العالمية إلى ساحة ضغط جيوسياسي مباشر.
مضيق هرمز: الإغلاق الفعلي وسلاح "رسوم العبور"
يعد مضيق هرمز الورقة الأقوى في يد طهران، حيث يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمي والغاز المسال. وعقب جولات الصراع التي اندلعت مطلع العام الحالي، انتقلت إيران من التهديد اللفظي إلى إجراءات ميدانية صارمة:
الإغلاق الفعلي والقيود: فرض الحرس الثوري الإيراني آلية رقابة مشددة قيّدت حركة الناقلات التجارية، معلنًا منع السفن التابعة للدول "المعادية" من المرور، مما أدى لتعطيل الملاحة وتراجع حركة ناقلات النفط في بعض الفترات إلى مستويات تشبه الشلل التجاري الكامل.
نظام رسوم عابر فرضًا: فرضت السلطات الإيرانية نظامًا يلزم السفن التجارية بالتنسيق المباشر ودفع "رسوم عبور وتأمين" لجهات تابعة للحرس الثوري لضمان المرور الآمن، وهو ما اعتبرته العواصم الغربية قرصنة دولية وخروجًا على اتفاقيات أعالي البحار.
الرد الأوروبي الحاسم: ردًا على ذلك، فعّل الاتحاد الأوروبي لأول مرة "آلية عقوبات حرية الملاحة" الجديدة، حيث أعلنت منسقة السياسة الخارجية، كايا كالاس، إدراج "قيادة طوق هرمز" التابعة لبحرية الحرس الثوري وشخصيات مسؤولة عن فرض نظام الرسوم والتهديد بضرب السفن بالمسيرات على قوائم العقوبات السوداء.
بالتوازي مع اختناق مضيق هرمز، تحركت جبهة البحر الأحمر وباب المندب (الذي يعبره 15% من الشحن الدولي) كجزء من خطة الضغط الإقليمي المنسق، مفرزةً واقعًا جيوسياسيًا جديدًا:
صمام الأمان (أنبوب شرق-غرب): للتخفيف من حدة أزمة الطاقة الناتجة عن إغلاق هرمز، نجحت المملكة العربية السعودية في تفعيل "صمام أمان استراتيجي" عبر تحويل أكثر من 70% من صادراتها النفطية اليومية عبر خط الأنابيب البري (شرق-غرب) المتوجه إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وهو ما أسهم في كبح جماح أسعار النفط عالميًا وتأمين تدفقات الطاقة للأسواق الأوروبية والعالمية بعيدًا عن الخليج.
المفاوضات تحت وطأة الحصار
تثبت التطورات الأخيرة أن سعي الولايات المتحدة وحلفائها لتشديد الحصار البحري حول السواحل الإيرانية (والذي يكلف طهران نحو 500 مليون دولار يوميًا كخسائر إيرادات حسب واشنطن) يهدف بالأساس إلى حرمان إيران من الاستفادة من أوراق الضغط المائية.
المآل الدبلوماسي: يجمع المراقبون على أن البنود الأساسية في مسودة "الاتفاق النهائي" الجاري بلورته عبر الوسيط الباكستاني، لم تعد تقتصر على تفكيك أجهزة الطرد المركزي والملف النووي الإيراني فحسب، بل باتت تشترط أولًا تفكيك نظام القيود والرسوم في مضيق هرمز، وضمان كف يد الحوثيين عن البحر الأحمر، كشرط دولي صارم لرفع الحصار البحري وإعادة دمج طهران في المنظومة الاقتصادية العالمية.
