غارات الضاحية الجنوبية.. إسرائيل توسّع دائرة الضغط على حزب الله وإيران وتبعث برسائل تتجاوز الساحة اللبنانية
أعادت الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت منطقة تحويطة الغدير في الضاحية الجنوبية لبيروت، والقريبة من مطار رفيق الحريري الدولي، رسم ملامح المشهد الأمني والسياسي في لبنان، فاتحةً الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد والضغوط المتزايدة على حزب الله وحلفائه الإقليميين، وفي مقدمتهم إيران.
وتأتي هذه الضربات في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، حيث تشهد المنطقة حالة من إعادة التموضع السياسي والعسكري في ظل استمرار التوترات بين إسرائيل ومحور إيران، ما يمنح العملية أبعادًا تتجاوز حدودها الميدانية المباشرة لتتحول إلى رسالة استراتيجية متعددة الاتجاهات.
توسع في بنك الأهداف
ويرى مراقبون أن استهداف منطقة تقع بالقرب من مطار رفيق الحريري الدولي يحمل دلالات تتجاوز البعد العسكري التقليدي، إذ يعكس توجهًا إسرائيليًا نحو توسيع نطاق العمليات ليشمل مناطق ذات أهمية لوجستية وحيوية في محيط العاصمة اللبنانية.
ويشير هذا التحول إلى أن إسرائيل لم تعد تكتفي باستهداف مواقع تعتبرها مرتبطة بالبنية العسكرية لحزب الله في المناطق الحدودية أو البعيدة عن المراكز الحضرية، بل باتت مستعدة للوصول إلى مواقع أكثر حساسية من الناحية الجغرافية والسياسية، بما يرفع مستوى الضغط على الحزب ويضعه أمام تحديات أمنية متزايدة.
رسائل مباشرة إلى حزب الله
تحمل الغارات، حسب محللين، رسالة واضحة إلى حزب الله مفادها أن هامش المناورة أمامه يتقلص تدريجيًا، وأن إسرائيل مستعدة لتوسيع عملياتها كلما رأت أن هناك تهديدًا لأمنها أو نشاطًا تعتبره مرتبطًا بتعزيز القدرات العسكرية للحزب.
كما تعكس الضربات محاولة إسرائيلية للحفاظ على حالة الردع ومنع أي إعادة تموضع أو تطوير للبنية العسكرية التي ترى أنها تشكل خطرًا مستقبليًا عليها، خصوصًا في ظل التغيرات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة.
ويرى خبراء أمنيون أن اختيار أهداف قريبة من مرافق مدنية وحيوية يهدف أيضًا إلى زيادة الضغوط النفسية والسياسية على الحزب، من خلال إظهار قدرة إسرائيل على الوصول إلى مواقع حساسة داخل العمق اللبناني.
البعد الإيراني في المشهد
لا يمكن فصل هذه التطورات عن الصراع الأوسع بين إسرائيل وإيران، إذ تنظر تل أبيب إلى حزب الله باعتباره أحد أهم أذرع النفوذ الإيراني في المنطقة.
ومن هذا المنطلق، فإن الضربات الأخيرة تمثل جزءًا من استراتيجية أشمل تستهدف تقليص النفوذ الإيراني الإقليمي والحد من قدرات الحلفاء المرتبطين بطهران، سواء في لبنان أو في ساحات أخرى تشهد تنافسًا إقليميًا محتدمًا.
ويعتقد مراقبون أن الرسالة الموجهة إلى إيران لا تقل أهمية عن تلك الموجهة إلى حزب الله، خاصة في ظل استمرار التوترات الإقليمية ومحاولات مختلف الأطراف إعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.
تداعيات داخلية على لبنان
على الصعيد اللبناني، تثير هذه التطورات مخاوف متزايدة من انعكاساتها على الوضع الأمني والسياسي والاقتصادي الهش أصلًا.
فاستهداف مناطق قريبة من العاصمة ومحيط المطار الدولي يضع لبنان أمام تحديات إضافية تتعلق باستقرار البنية التحتية الحيوية، كما يثير تساؤلات حول قدرة الدولة على احتواء تداعيات التصعيد ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة أوسع.
وتأتي هذه المخاوف في وقت يواجه فيه لبنان أزمات اقتصادية ومالية عميقة، ما يجعل أي تصعيد عسكري جديد عاملًا إضافيًا يفاقم حالة عدم اليقين ويؤثر على حركة الاستثمار والسياحة والنقل الجوي.
مرحلة جديدة من المواجهة
ويجمع محللون على أن الغارات الأخيرة قد تمثل مؤشرًا على دخول المواجهة بين إسرائيل وحزب الله مرحلة مختلفة، تتسم بارتفاع مستوى المخاطرة واتساع نطاق الأهداف المحتملة.
وفي حين لا تبدو الأطراف الرئيسية راغبة في الانزلاق إلى حرب شاملة في الوقت الراهن، فإن استمرار الضربات المتبادلة وارتفاع سقف الرسائل العسكرية قد يزيد من احتمالات سوء التقدير، وهو ما قد يقود إلى تصعيد أوسع يصعب احتواؤه.
وفي ظل هذه المعطيات، تبقى الساحة اللبنانية واحدة من أكثر الجبهات حساسية في الشرق الأوسط، حيث تتداخل الحسابات المحلية مع التوازنات الإقليمية، وتتحول أي عملية عسكرية إلى جزء من صراع أكبر تتجاوز تداعياته حدود لبنان.
