صراع البقاء الصناعي.. كيف تقترب القارة العجوز من مواجهة تجارية مفتوحة مع التنين الصيني؟
تتجه أوروبا والصين نحو حرب تجارية مفتوحة مع تصاعد المخاوف الأوروبية من تدفق السلع الصينية الرخيصة إلى الأسواق الأوروبية، ما بات يهدد قطاعات التصنيع الحيوية داخل القارة، وأصبحت الحرب التجارية بين أوروبا والصين واحدة من أبرز الملفات الاقتصادية التي تقلق بروكسل خلال المرحلة الحالية.
ويشعر القادة الأوروبيون بقلق متزايد من اعتماد اقتصاداتهم على الصين، خاصة مع توسع بكين في تصدير السيارات الكهربائية والتكنولوجيا منخفضة التكلفة، كما ترى بروكسل أن السياسات الصناعية الصينية العدوانية قد تُضعف القدرة التنافسية للصناعات الأوروبية خلال السنوات المقبلة.
قلق أوروبي متزايد
قالت كايا كالاس، نائب رئيس المفوضية الأوروبية، إن تقليل اعتماد أوروبا على الصين قد يشبه “العلاج الكيميائي”، موضحةً أن الأمر سيكون مؤلمًا لكنه ضروري لحماية الاقتصاد الأوروبي. وتعكس هذه التصريحات حجم التحول في خطاب الاتحاد الأوروبي تجاه بكين، بعدما كانت العلاقات التجارية تُدار سابقًا بقدر أكبر من المرونة والتعاون.
وأشارت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، الجمعة 29 مايو 2026، إلى أن القلق الأوروبي يتزايد مع استمرار تدفق السلع الصينية الرخيصة، خاصة السيارات الكهربائية، إلى الأسواق الأوروبية. وقال جيرومين زيتلماير، مدير مركز بروجل للأبحاث الاقتصادية في بروكسل، إن “النبرة السائدة هي الذعر”، مضيفًا أن هناك شعورًا متناميًّا بأن الصناعة الأوروبية أصبحت مهددة بانهيار تدريجي بسبب المنافسة الصينية المتصاعدة.
غضب صيني متصاعد
في المقابل، تواجه التحركات الأوروبية ردود فعل غاضبة من بكين، التي حذرت من اتخاذ إجراءات انتقامية ضد أي قيود تجارية جديدة. وذكرت نيويورك تايمز أن المسؤولين الصينيين يعتبرون الخطوات الأوروبية محاولة لعرقلة صعود الصين الصناعي، خصوصًا في قطاعات التكنولوجيا والطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية.
وأوضح براد سيتسر، المحلل الاقتصادي في مجلس العلاقات الخارجية، أن العديد من الحكومات الأوروبية ما زالت تتعامل بحذر مع الصين خوفًا من خسارة المصالح التجارية الضخمة، لكنه أكد أن القلق من فقدان الوظائف والصناعات المحلية أصبح يفوق المخاوف التقليدية المرتبطة برد الفعل الصيني، حتى داخل دول صناعية كبرى مثل ألمانيا.
مواجهة اقتصادية مفتوحة
بدأ الاتحاد الأوروبي بالفعل اتخاذ خطوات عملية لمواجهة النفوذ التجاري الصيني، عبر مشروع قانون “التسريع الصناعي” الذي يهدف إلى إعادة بناء القاعدة الصناعية الأوروبية ومنع الشركات الصينية من الاستفادة من بعض الإعانات الحكومية الأوروبية. وقد أثار هذا المشروع غضب بكين التي وصفته بأنه سياسة “انتهازية” تهدف إلى استهداف الصين اقتصاديًّا.
كما زادت المخاوف الأوروبية بعد قيام الصين بحظر تصدير بعض المعادن النادرة والمغناطيسات المستخدمة في الصناعات التكنولوجية والطاقة الخضراء، وأكدت غرفة التجارة الأوروبية في الصين أن القيود الجديدة التي فرضتها بكين على الشركات الأجنبية “قد تسبب أضرارًا غير مسبوقة للاقتصاد الأوروبي”، خصوصًا مع اعتماد الشركات الأوروبية الكبير على الإمدادات الصينية.
صراع النفوذ العالمي
يرى نوح باركين، الخبير في العلاقات الأوروبية الصينية في مجموعة روديوم للأبحاث، أن الصين تحاول استغلال الخلافات بين أوروبا والولايات المتحدة لإضعاف الموقف الغربي الموحد تجاهها، وقال إن الرسالة الصينية للأوروبيين تتمثل في أن واشنطن نفسها تسعى إلى التهدئة مع بكين، وبالتالي يجب على أوروبا عدم اختبار صبر الصين أو التصعيد ضدها اقتصاديًّا.
وأوضحت نيويورك تايمز أن أوروبا تجد نفسها اليوم أمام معادلة صعبة؛ فهي تريد تقليل اعتمادها الاقتصادي على الصين دون الدخول في مواجهة تجارية شاملة قد تضر بأسواقها واقتصاداتها، لكن مع استمرار التوترات التجارية والتكنولوجية، تبدو احتمالات اندلاع حرب تجارية بين أوروبا والصين أقرب من أي وقت مضى.
