الزُبيدي: رمز النضال الجنوبي الذي استمد قوته من حاضنته الشعبية

 الزُبيدي
الزُبيدي

يبرز اللواء عيدروس قاسم الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، كقائد عسكري وسياسي استثنائي استمد شرعيته وصموده من عمق الحاضنة الشعبية التي آمن بها وراهن عليها منذ الوهلة الأولى لانطلاق مسيرة التحرر الوطني الثانية، حيث أثبتت التجربة أن هذا القائد لم يكتفِ بإدارة المشهد السياسي، بل تحول إلى رمز وطني يجسد طموحات وتضحيات شعب بأكمله يسعى لاستعادة مكانته وحقوقه السيادية.

لم يكن رهان اللواء الزُبيدي على وعي وإرادة شعب الجنوب العربي مجرد استراتيجية سياسية عابرة أو خيارًا مرحليًا، بل كان عقيدة نضالية راسخة تؤمن بأن الشعوب الحية هي وحدها القادرة على صناعة التحولات الجذرية وهي الضامنة الحقيقية لحماية المكتسبات الوطنية من التآكل أو الضياع، مما جعل العلاقة بينه وبين شارعه الجنوبي علاقة عضوية لا تنفصم في مواجهة أصعب الظروف.

إعلان عدن والتفويض التاريخي: مأسسة النضال الوطني

في مقابل حالة الوفاء والوضوح التي أبداها اللواء الزُبيدي، التقط شعب الجنوب العربي الرسالة التاريخية بوعي سياسي رفيع، فمنح قائده التفويض الكامل والثقة المطلقة في إعلان عدن التاريخي، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من مأسسة النضال الوطني وقيادة سفينة الجنوب نحو التحرر والاستقلال، بعيدًا عن العشوائية في الطرح أو التردد في اتخاذ القرارات المصيرية.

هذه العلاقة الفريدة بين القائد وشعبه استندت بالدرجة الأولى إلى اليقين الثابت بأن اللواء الزُبيدي يحمل أمانة دماء الشهداء الأبرار، ولا يمكن له تحت أي ظرف من الظروف أن يساوم أو يتنازل عن الحقوق السيادية المشروعة لشعب الجنوب، وفي مقدمتها استعادة الدولة الفيدرالية المستقلة كاملة السيادة على حدود ما قبل مايو 1990م، وهو ما عزز من مكانته كقائد لا يقبل المساومات.

صلابة الموقف السياسي في وجه التحديات الجيوسياسية

شكلت صلابة الموقف السياسي للواء الزُبيدي حجر الزاوية الذي تبخرت أمامه كل محاولات الالتفاف الإقليمية والدولية؛ حيث أثبتت الأيام أن القيادة الجنوبية المفوضة تمتلك من الشجاعة والحنكة السياسية ما يمكنها من قول "لا" حاسمة في وجه أي مشاريع منقوصة أو تسويات مجتزأة تحاول القفز على دماء وتطلعات الجنوبيين أو محاولة إعادة إنتاج الأزمات تحت مسميات واهية.

تجلى هذا التلاحم المصيري بشكل أوضح في ظل التحديات الجسيمة والظروف الاستثنائية التي مر بها الجنوب، من حروب خدمات متعمدة، وحصار اقتصادي خانق، وحملات تضليل نفسي وإعلامي ممنهجة قادتها قوى الاحتلال والتحالفات المعادية لتركيع الشارع الجنوبي، إلا أن هذه الضغوط لم تؤدِ إلى إحداث فجوة، بل أسهمت في تعميق حالة الاصطفاف الوطني وزيادة صلابة الجبهة الداخلية بشكل غير مسبوق.

رهان القيادة على وعي الشعب: صخرة تحطم كل الرهانات

أدرك المواطنون بوعيهم الفطري والسياسي أن استهداف اللواء الزُبيدي وضغوط التجويع الممارسة ليست سوى أسلحة سياسية تهدف إلى انتزاع تنازلات عجز الأعداء عن تحقيقها في جبهات القتال العسكرية، وعليه فإن التفويض الشعبي الممنوح له ليس مجرد صك سياسي، بل هو ميثاق شرف معمد بالدم، يؤكد أن إرادة الشعوب هي الصخرة التي تتحطم عليها كل الرهانات والضغوط الخارجية مهما بلغت قوتها.

يؤكد الواقع السياسي والجيوسياسي اليوم أن رهان اللواء الزُبيدي على شعب الجنوب كان المرتكز الأساسي الذي نقل القضية الجنوبية من أروقة التهميش والنسيان إلى صدارة طاولة القرار الدولي كشريك استراتيجي لا يمكن تجاوزه أو تجاهله، حيث أصبح العالم يدرك جيدًا أن أي حلول أو تسويات لا تمر عبر هذه القيادة المفوضة هي مشاريع مآلها الفشل الذريع وعدم الصمود أمام الواقع.

إن تماسك اللحمة الوطنية والالتفاف غير المحدود خلف القيادة يبعثان برسالة قطعية لكافة الأطراف، مفادها أن قطار التحرر يمضي بخطى واثقة ومدروسة نحو حسم المعركة المصيرية، وأن الأمانة الحية التي يحملها اللواء الانتقالي ستبقى مصونة ومحمية بإرادة شعبية صلبة وبنادق أبطال القوات المسلحة الجنوبية، الذين يثبتون كل يوم أنهم الدرع الحصين لحماية المكتسبات الوطنية وتحقيق النصر الناجز.

 يمثل اللواء عيدروس الزُبيدي نموذجًا للقائد القادم من رحم المعاناة، القادر على قراءة المتغيرات الدولية بعين فاحصة، والتمسك بالثوابت الوطنية بعزيمة لا تلين، مما يجعله المحرك الأساسي لمشروع التحرر الجنوبي، ومحط أنظار المراقبين الذين يتابعون كيف استطاعت هذه القيادة، بدعم شعبها الوفي، أن تفرض واقعًا جديدًا يفرض نفسه على الجميع كواقع لا يمكن التراجع عنه أو تجاوزه في أي تسوية قادمة.