صيغة تكبيرات العيد المبهجة.. سر تمسك المصريين بالصلاة على النبي وآله وصحابته
تعتبر الأعياد في جوهرها التاريخي والاجتماعي سُنَّةٌ فِطْرِيَّة جُبِلَ الناس على اتخاذها منذ فجر التاريخ البشري في شتى بقاع الأرض، فكان البشر منذ القدم يخصِّصُون أيامًا محددة للاحتفال والاجتماع وإظهار الفرح والبهجة لإحياء ذكرى مُناسَباتٍ عظيمة حصلت في مثل تلك الأيام الكريمة كأيام النصر الحربي وأيام الميلاد، وكان لِكُلِّ أمة من الأمم أيامٌ معلومةٌ ومشهودة تُظهِر فيها زينتَها وتعلن سرورها وتُسرِّي عن نفسها ما يُصيبها من رَهَق الحياة وعَنَتِها المستمر، وعلى هذه السُّنَّة والترتيب وَجَد النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم الأنصارَ في المدينة المنورة بعد هجرته المباركة إليها يلعبون في يومين محددين وَرِثُوا اتِّخاذَهُما عِيدًا واحتفالًا عن الجاهليَّة المظلمة.
ولم يُنكِرْ الرسول الكريم أصْلَ فكرة الاحتفال والترويح عن النفس بل أباح اتخاذ العيد تحصيلًا لمزاياه القومية والاجتماعية والدينية الرفيعة، ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم استبدل بيومي الجاهلية يومين آخرين مباركين مرتبطين ارتباطًا وثيقًا بشعيرتين من أعظم شعائر الإسلام وهما يوما الفطر والأضحى، ليتحول العيد الكبير وعيد الاضحى إلى محطة إيمانية تجمع بين شكر النعمة وإظهار الفرح المشروع بتمام العبادة، وتأتي هذه التفرقة النبوية لتنقل مفهوم الأعياد من مجرد لهو عابر إلى عبادة وقربة تتقرب بها الأمة إلى ربها مع الحفاظ على مظاهر الزينة والسرور والترابط الأسري بين كافة أفراد المجتمع المسلم.
حكم تكبيرات العيدين وآراء الفقهاء في مواقيت بدئها ونهايتها في العيد الكبير
يعد التكبير سُنَّة مؤكدة ومستحبة عند جمهور الفقهاء من مالكية وشافعية وحنابلة لما فيه من تعظيم لشعائر الله سبحانه وتعالى في هذه الأيام المباركة، ويبدأ التكبير في عيد الاضحى قبل بداية أيَّام التَّشريق الثلاثة على اختلاف فقهي واسع في بدئها بين ظُهْرِ يوم النَّحْرِ وفجر يوم عرفة وهو الرأي الأصح، بينما يمتد وقته ونهايته لتكون عقب صلاة عصر آخر أيّام التّشريق الأربعة ليكون مسك الختام لهذه الأيام المعلومات، وفي عيد الفطر أيضًا يشرع التكبير بعد إكمال عدة الصيام ويجوز أن يكون التكبير في جماعة أو فرادى مع تفضيل العلماء للجماعة لما فيها من إظهار لقوة الأمة.
ولم يرد في السنة النبوية المطهرة شيء بخصوص إلزام المسلمين بصيغة معينة جامدة لا يجوز حيد عنها في التكبير بل ترك الأمر على الإطلاق والقبول، والصيغة المشهورة التي درج عليها المصريون عبر القرون المتطاولة هي صيغة شرعية وصحيحة تمامًا ومستحبة لما تشتمل عليه من ذكر وثناء وصلاة على النبي، ومن ادعى من المتشددين أن قائل هذه الصيغة مبتدع أو خارج عن السنة فهو إلى البدعة والضيق أقرب؛ حيث حجَّر واسعًا وضيَّق ما وسعه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وقيَّد الْمُطْلَق بلا دليل فقهي معتبر يسعف دعواه الواهية في الإنكار على العوام.
نص صيغة تكبيرات العيد المشهورة التي توارثها المصريون عبر القرون والأزمان
ودرج المصريون من قديم الزمان على الصيغة المشهورة لـ تكبيرات العيد بقلوب يملؤها الفرح والسرور في المساجد والساحات الكبرى وهي: (الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلًا، لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وعلى أصحاب سيدنا محمد وعلى أنصار سيدنا محمد وعلى أزواج سيدنا محمد وعلى ذرية سيدنا محمد وسلم تسليمًا كثيرًا).
وتتميز هذه الصيغة المصرية الرائعة بجمعها بين تعظيم الله وحده وتذكر نصر الله لعبده ونبيه الأخ الكريم وهزيمة الأحزاب وحدها في المعارك الكبرى، كما أنها تشتمل على الصلاة والسلام على النبي الخاتم وآله الطيبين الطاهرين وأصحابه الأخيار وأنصاره الأبرار وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته المباركة إلى يوم الدين، ويسعنا في قبول هذه الصيغة الجميلة ما وسع سلفنا الصالح من استحسان مثل هذه الصيغ الإيمانية وجريان عادة الناس عليها بما يوافق الشرع الشريف ولا يخالفه، ونهيُ مَنْ نَهَى عن ذلك غير صحيح بالمرة ولا يلتفت إليه ولا يعول عليه في الفتوى.
الأدلة القرآنية لشرعية التكبير في عيد الاضحى وعيد الفطر المبارك
وقد دلت الآيات القرآنية المحكمة على مشروعية التكبير في العيدين؛ قال الله تعالى بعد آيات الصيام في محكم التنزيل: ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ علَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185]، وحُمِل التكبير في هذه الآية بالاتفاق على تكبير عيد الفطر المبارك شكرًا لله على تمام صيام شهر رمضان المعظم، وقال سبحانه وتعالى في آيات الحج: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203]، وقال أيضًا: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لهمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ علَى مَا رَزَقَهُمْ مِن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28]، وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ علَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج: 37].
وحُمِل الذكر والتكبير في آيات الحج السابقة على ما يكون من تعظيم وتكبير في عيد الاضحى المبارك وأيام التشريق التالية له، قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فيما نقله العلامة الخطيب الشربيني في كتابه مغني المحتاج قال: [سمعت مَن أرضاه من العلماء بالقرآن يقول: المراد بالعدة عدة الصوم، وبالتكبير عند الإكمال، ودليل الثاني -أي: تكبير الأضحى- القياس على الأول -أي: تكبير الفطر-؛ ولذلك كان تكبير الأول آكد للنص عليه]، مما يوضح بجلاء التلازم الفقهي والقياس الأصولي المستقر بين العيدين في وجوب واستحباب تعظيم الله وإعلان التكبير.
السنن النبوية في إحياء ليلة العيد بالعبادة والدعاء لتحصيل الأجر العظيم
أكدت دار الإفتاء المصرية في فتاواها الصادرة لعام 2026 أنه يندب التكبير في عيد الأضحى من فجر يوم عرفة إلى غروب ثالث أيام التشريق، ويكون ذلك جماعة وفرادى في البيوت والمساجد والأسواق إشعارا بوحدة الأمة وإظهارا للعبودية الخالصة لله سبحانه وتعالى، وامتثالا وبيانا لقوله سبحانه في كتابه الكريم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِتدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30]، مما يربط الفرحة بأصل الفطرة السوية.
وأضافت دار الإفتاء المصرية أنه يسن ويستحب للمسلم إحياء ليلة العيد بالعبادة من ذكر واستغفار وصلاة وقراءة للقرآن الكريم وغير ذلك؛ لحديث: "من قام ليلتي العيدين لله محتسبًا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب"، ويحصل هذا الإحياء المبارك بمعظم الليل كالمبيت بمنى وقيل بساعة منه في جوف الليل، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: يحصل الإحياء بصلاة العشاء جماعة في المسجد والعزم الصادق على صلاة الصبح جماعة والدعاء فيهما، ليتحقق للمسلم الفضل العظيم ويدخل العيد الكبير وعيد الاضحى وهو في أتم القرب والصلة بالله رب العالمين.
