سينما وسط البلد والتحولات المجتمعية.. قراءة نقادية في تاريخ أفلام الزعيم عادل إمام
يمتلك الزعيم عادل إمام في مشواره الفني الممتد لعقود طويلة محطات إبداعية شديدة الأهمية ترتبط بأعماله الكبرى، وتتجلى بقوة في قدرته الاستثنائية على منح الثقة الكاملة لوجوه ومواهب شابة صنعت لاحقًا مكانتها المرموقة في الساحة الفنية، وهو ما برز بوضوح كامل من خلال تعاونه التاريخي مع المخرج المتميز شريف عرفة خلال مرحلة التسعينيات الذهبية.
وشكلت تلك الحقبة الفنية نقطة تحول فارقة في مشوار المخرج الشاب آنذاك الذي وجد نفسه فجأة يعمل مع أهم وأقوى نجم على الساحة العربية برمتها، وبصحبته الكاتب السينمائي الكبير والراحل وحيد حامد، لينتج عن هذا التحالف الخماسي الفريد مجموعة من الأفلام الخالدة التي غيرت واجهة السينما المصرية والعربية مثل "اللعب مع الكبار" و"الإرهاب والكباب".
قصة الرفض الأول لفيلم "سمع هس" وتحول الموقف الفني للزعيم عادل إمام
وبدأت الحكاية المثيرة حين حاول المخرج شريف عرفة في بداية طريقه إقناع الفنان عادل إمام بإخراج فيلم سينمائي له، لكن الزعيم رفض الفكرة تمامًا بمجرد قراءة النص المكتوب معتبرًا أن العمل لن يحقق النجاح الجماهيري المطلوب، وكان هذا الفيلم هو "سمع هس" من بطولة الراحل ممدوح عبد العليم، والذي تعثر بالفعل في شباك التذاكر عام 1991.
وروى الزعيم عادل إمام في تصريحات تلفزيونية لاحقة أنه شاهد هذا الفيلم بالصدفة على الشاشة، فاكتشف عملًا سينمائيًا مختلفًا ومبهرًا على مستوى الصورة والتكنيك البصري ومغايرًا تمامًا لما كان معروضًا على الساحة وقتها، وهو الأمر الذي أكد له بشكل قاطع وجود موهبة إخراجية جبارة وغير تقليدية لدى المخرج الشاب شريف عرفة.
وعقب تلك المشاهدة تلقى عادل إمام مكالمة هاتفية من رفيق رحلته الفنية الكاتب وحيد حامد يرشح فيها مخرجًا شابًا لفيلمهما الجديد، فسبقه الزعيم بذكائه المعهود قائلًا "شريف عرفة"، ليعلن موافقته الفورية والحاسمة على خوض التجربة المشتركة الأولى بناءً على ثقته الجارفة في الرؤية البصرية الخاصة بالمخرج الفذ والمتميز.
ولادة ثلاثية "اللعب مع الكبار" والتحول نحو الكوميديا السوداء الساخرة
وتعكس هذه الواقعة التاريخية عقليّة فنية واعية وذكية للغاية لدى النجم عادل إمام، فقد رفض النص في البداية بناءً على حسابات السوق، لكنه امتلك الشجاعة لإعادة النظر والتقييم بعد رؤية الموهبة الحقيقية على الشاشة، ليمنح شريف عرفة مساحة واسعة ودعمًا تشجيعيًا كبيرًا في كواليس تصوير الفيلم الشهير "اللعب مع الكبار".
واستمر هذا التعاون المشترك بقوة ليثمر في عام 1992 عن فيلم "الإرهاب والكباب" الذي يعد واحدًا من أهم العلامات المضيئة في تاريخ السينما المصرية، حيث قدم الثلاثي من خلاله دراما شديدة الخصوصية نجحت في تحويل مأزق المواطن البسيط بداخل المجمعات والمؤسسات الحكومية الروتينية إلى حالة سينمائية ساخرة وحادة تنتقد البيروقراطية.
التنوع الدرامي بفيلم "المنسي" والغوص في كواليس السياسة بـ "طيور الظلام"
وشجع النجاح الجماهيري الساحق لفيلم الإرهاب والكباب على تكرار التجربة سريعًا من خلال فيلم "المنسي" عام 1993، وهو عمل خرج فيه الثلاثي إلى عالم جديد تمامًا بنبرة ومساحة نفسية مختلفة جذبت قطاعات عريضة من الجمهور بفضل الرؤية الإخراجية المتطورة لشريف عرفة والعمق الفلسفي لكلمات وحيد حامد بداخل السيناريو.
أما المحطة الرابعة والأكثر جرأة فكانت فيلم "طيور الظلام" عام 1995، والذي تناول كواليس الحياة السياسية والبرلمانية عبر شخصيات شديدة الدلالة كشف وحيد حامد من خلالها زيف التيارات المتسلقة، في المقابل بقيت شخصية الفنان الراحل أحمد راتب رمزًا للمواطن البسيط الذي يعيش بمبادئه في مقهى وسط البلد يتابع أخبار أصدقائه.
وحقق فيلم طيور الظلام نجاحًا كبيرًا ورسخ مرحلة هامة في علاقة الزعيم عادل إمام بالمخرج شريف عرفة، لتكتمل الخماسية بعد ذلك بفيلم "النوم في العسل" الذي واصل تعرية قضايا المجتمع، تاركًا إرثًا سينمائيًا فريدًا تفتخر به السينما العربية وتتداوله الأجيال المتعاقبة حتى يومنا هذا لما يحمله من صدق فني وجماهيري واسع النطاق.
