الشرق الأوسط على صفيح "التسويات" و"الضغوط".. من بغداد إلى بكين ونيويورك
تشهد الساحة الدولية والإقليمية حراكًا دبلوماسيًا وعسكريًا غير مسبوق، حيث تتقاطع ملفات تشكيل الحكومة العراقية الجديدة مع التوترات "الأمريكية-الإيرانية" وخطط المساعدات الدولية، مما يرسم ملامح خريطة جيوسياسية جديدة للمنطقة.
بغداد: ولادة حكومة "التكنوقراط" وسط حقل ألغام
نجح البرلمان العراقي في كسر الجمود السياسي بمنح الثقة لحكومة علي الزيدي، الشخصية الاقتصادية الشابة التي يُعول عليها لانتشال البلاد من أزماتها الهيكلية. ورغم تمرير 14 وزيرًا، إلا أن بقاء حقيبتي الدفاع والداخلية شاغرتين يشير إلى أن "عقدة الأمن" لا تزال تخضع لمساومات الكتل الكبرى. يواجه الزيدي اختبارًا صعبًا في الموازنة بين ضغوط الشارع وبين "سياسة حصر السلاح" التي وعد بها في منهاجه الوزاري.
بكين: ترامب يلعب ورقة "التنين" لحسم ملف طهران
بالتزامن، تتجه الأنظار إلى العاصمة الصينية بكين، حيث يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زيارته الحاسمة. التقارير الواردة تشير إلى أن مصير "الهدنة" مع إيران بات معلقًا بمدى استجابة بكين للضغط الأمريكي لوقف شراء النفط الإيراني أو إقناع طهران بـ "صفقة القرن النووية". ترامب، الذي لا يزال يلوح بخيار القوة، يسعى لاستثمار نفوذ الصين الاقتصادي لتحقيق انتصار ديبلوماسي دون الحاجة لفتح جبهة عسكرية واسعة قد تهز أسواق الطاقة العالمية التي تعاني أصلًا من تذبذب الأسعار.
نيويورك: دبلوماسية "الدولار المشروط"
وفي أروقة الأمم المتحدة، أرسلت واشنطن رسالة مزدوجة بتعهدها بتقديم 1.8 مليار دولار كمساعدات إنسانية. فبينما يبدو الرقم ضخمًا، إلا أنه يحمل بصمة "إدارة ترامب" الجديدة التي تربط التمويل بـ "الكفاءة" و"المصالح الوطنية". هذا التوجه وضع المنظمة الدولية في حالة استنفار لإعادة جدولة أولوياتها بما يتوافق مع المعايير الأمريكية الصارمة، مما يثير تساؤلات حول استقلالية العمل الإنساني في مناطق النزاع.
إن تزامن هذه الأحداث ليس محض صدفة؛ فاستقرار العراق تحت قيادة الزيدي يمثل حاجة ملحة لواشنطن لضمان عدم انزلاق بغداد كليًا في المحور الإيراني في حال تصاعد الصراع. ومن جهة أخرى، فإن الدعم المالي الأمريكي المشروط هو أداة "قوة ناعمة" تهدف للضغط على المنظمات الدولية لتبني رؤية واشنطن في إدارة ملفات اللاجئين والنزاعات.
نحن أمام مشهد دولي يُدار بعقلية "الصفقات"؛ حيث تسعى واشنطن لترتيب أوراقها في العراق، وتحييد النفوذ الصيني في ملف إيران، مع إعادة تعريف دورها كمانح دولي، مما يجعل الأيام القادمة حاسمة في تحديد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو "انفراجة كبرى" أم "مواجهة مؤجلة".
تعهّدت الولايات المتحدة، الخميس، تقديم 1،8 مليار دولار للمساعدات الإنسانية التي توفرها الأمم المتحدة للعام 2026، بعدما كان الرئيس دونالد ترامب قلّص المساعدات الخارجية لبلاده.
بذلك، ترتفع إلى 3،8 مليارات دولار القيمة الإجمالية لحزمة المساعدات الأمريكية للأمم المتحدة هذا العام، ومع ذلك تبقى أدنى بكثير مما كانت عليه قبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) 2025.
وقال السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز لصحافيين في نيويورك: "ستنقذ هذه الأموال مزيدًا من الأرواح حول العالم، كما ستدفع قدمًا بالإصلاحات التي أدخلناها لتعزيز الكفاءة والمساءلة والأثر المستدام".
يضاف التمويل المعلن، الخميس، إلى ملياري دولار تعهّدت الولايات المتحدة في ديسمبر (كانون الأول) تقديمها لدعم العمل الإنساني في 18 دولة.
وأفرجت واشنطن عن المبلغ مقابل التزامات من الأمم المتحدة بإجراء إصلاحات.
تتّهم واشنطن برامج المساعدات التي تديرها الأمم المتحدة بأنها عديمة الكفاءة وتقوّض القيم الأمريكية من خلال التمسّك بـ "أيديولوجيات اجتماعية راديكالية" على صلة بالتنوّع.
وقال والتز: "حين تقوم الأمم المتحدة بأفضل ما تجيده، أي تقديم المساعدات الإنسانية في مواقع نائية وصعبة... فبإمكانها النجاح، وهي تنجح في ذلك".
وتابع "لكن حين تنحرف المنظّمة عن مهمتها الأساسية، فإن أداءها يميل لأن يكون أضعف بكثير مما ينبغي".
وندّد والتز بروايات "مغلوطة تمامًا" بأن واشنطن "تخلّت" عن دورها في ما يتّصل بتقديم المساعدات الإنسانية.
وبقيت الولايات المتحدة في العام 2025 أكبر جهة مانحة لخطط الاستجابة الإنسانية حول العالم، على الرغم من تراجع دعمها إلى 2،7 مليار دولار مقارنة بـ11 مليار في العام 2024.
وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن التعهّد الأمريكي الأخير "سيسمح للعاملين في المجال الإنساني بالوصول إلى ملايين الأشخاص في أشد الأزمات إلحاحا عبر توفير دعم منقذ للحياة".
تقول الأمم المتحدة إنها تحتاج إلى 33 مليار دولار في العام 2026 لدعم 135 مليون شخص تضرّروا من الحروب والأوبئة وتغيّر المناخ والكوارث الطبيعية.
