مؤتمر الشريعة والقانون بالأزهر: 18 توصية تاريخية لحماية كيان الأسرة من التحديات المعاصرة

متن نيوز

انطلقت برعاية فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف فعاليات المؤتمر العلمي الدولي السادس لكلية الشريعة والقانون بالقاهرة، والذي جاء بالتعاون المثمر مع جامعة السلطان أجونج الإسلامية بإندونيسيا وتحت شعار "نحو بناء مجتمع متماسك".

وقد شهد المؤتمر مشاركة رفيعة المستوى من وفد كلية الحقوق بجامعة عين شمس برئاسة الأستاذ الدكتور ياسين الشاذلي عميد الكلية، تعبيرًا عن التكامل الأكاديمي بين كبرى المؤسسات القانونية والشرعية في مصر لتعزيز حماية كيان الأسرة المصرية.

ويأتي هذا الحدث الضخم في إطار السعي الدؤوب لمواجهة التحديات المعاصرة التي تهدد استقرار البيوت، وبحث السبل العلمية والتشريعية لترسيخ قيم المودة والرحمة في مواجهة ظواهر التفكك الأسري المتزايدة في العصر الرقمي.

حضور قيادي وديني رفيع المستوى

ترأس فعاليات المؤتمر الأستاذ الدكتور عطا السنباطي عميد كلية الشريعة والقانون بالقاهرة، وسط حضور مهيب ضم الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف، وفضيلة الدكتور نظير عياد مفتي الديار المصرية، وفضيلة الدكتور سلامة داود رئيس جامعة الأزهر.

كما شارك في الجلسات الافتتاحية والختامية فضيلة الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية السابق، إلى جانب نخبة من عمداء كليات الحقوق والشريعة بالجامعات المصرية، مما أضفى صبغة رسمية وأكاديمية قوية على مخرجات وتوصيات هذا الملتقى الدولي.

وقد عكس هذا الجمع الغفير تكاتف السلطات الدينية والتشريعية والتنفيذية في الدولة المصرية للعمل على صياغة رؤية موحدة تحمي المجتمع من الأفكار الدخيلة التي تستهدف زعزعة القيم المجتمعية والأعراف المستقرة.

18 توصية لإصلاح المنظومة الأسرية

ألقى الأستاذ الدكتور محمود صديق نائب رئيس جامعة الأزهر البيان الختامي للمؤتمر، متضمنًا ثماني عشرة توصية جوهرية خلصت إليها البحوث العلمية والمناقشات المعمقة التي استمرت على مدار جلسات المؤتمر الحافلة بالاجتهادات القانونية والشرعية.

وجاءت التوصية الأولى مشددة على ضرورة مراجعة الأطر والمواد القانونية المتعلقة بالشأن الأسري وتطويرها بما يكفل سرعة الفصل في النزاعات، مع التأكيد على إلزامية اللجوء لآليات بديلة للتقاضي مثل مكاتب الوساطة والإصلاح الأسري.

وتهدف هذه التوصيات إلى إحياء قيم العفو وتحقيق الأمن الأسري، من خلال تأهيل كوادر متخصصة شرعيًا ونفسيًا للتعامل مع المشكلات قبل تفاقمها، ومنح قرارات هذه المكاتب حجية ثبوتية وقوة تنفيذية تضمن استرداد الحقوق دون صراعات علنية.

التأهيل الإلزامي للمقبلين على الزواج

دعا المشاركون في المؤتمر إلى اعتماد برامج تدريبية إلزامية ومكثفة للشباب المقبلين على الزواج، بحيث تغطي هذه الدورات الجوانب الفقهية والنفسية والاجتماعية والمالية، لضمان بناء بيوت على أسس معرفية متينة تقلل من احتمالات الفشل المستقبلي.

كما طالبت التوصيات بدمج مفاهيم التماسك الأسري وقيم المودة ضمن المناهج التعليمية في مختلف المراحل الدراسية، وذلك لغرس الوعي بهذه المفاهيم لدى الأجيال الناشئة وحمايتهم من الانخراط في "الفوضى الأسرية" التي تروج لها بعض الثقافات الوافدة.

إن بناء الوعي المجتمعي يبدأ من قاعات الدراسة، حيث يمثل التعليم الركيزة الأساسية لتصحيح المفاهيم المغلوطة حول العلاقة بين الرجل والمرأة وتصويرها كمعركة ندية، وهو ما يرفضه الخطاب الديني والإعلامي المستنير الذي دعا إليه المؤتمر.

الأمان الرقمي وتحديات الذكاء الاصطناعي

في سابقة لمواكبة التطور التكنولوجي، تبنى المؤتمر منهج "الأمان الرقمي" كضرورة تعليمية للآباء والأبناء، بهدف حماية الخصوصية الأسرية من الاختراق الرقمي وتعليم كيفية التعامل الواعي مع المحتوى الإلكتروني الذي قد يحرض على التمرد الأسري.

وطالب البيان الختامي بتغليظ العقوبات القانونية على الجرائم الإلكترونية التي تستهدف هدم البيوت، مثل الابتزاز ونشر الشائعات، مع ضرورة إعداد إطار وطني منظم لتوظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي والاستفادة منها في الشأن الأسري بشكل إيجابي.

وتأتي هذه التوصية استجابةً للضغوط الرقمية التي أصبحت سببًا مباشرًا في الكثير من الخلافات الزوجية المعاصرة، مما يتطلب خطابًا دعويًا وإرشاديًا يلامس هذا الواقع ويقدم حلولًا نفسية وشرعية متوازنة تتناسب مع طبيعة العصر.

الاقتصاد الإسلامي وحماية الحقوق المالية

نص المؤتمر صراحة على ضرورة إيجاد آلية دورية لمراجعة النفقة تلقائيًا في حال حدوث تغيرات اقتصادية جوهرية تؤثر على القيمة الشرائية للنقود، تحقيقًا لمبدأ العدالة الاجتماعية وحماية للأسر المتضررة من تداعيات التضخم العالمي.

كما دعت التوصيات إلى الاستفادة من أدوات الاقتصاد الإسلامي كالزكاة والوقف في دعم الأسر المتعثرة ماليًّا، بما يخفف العبء عن القضاء والدولة ويضمن حياة كريمة للأطفال والنساء في حالات النزاع أو الانفصال.

إن التكامل بين السياسات الاقتصادية والتشريعات الأسرية أصبح ضرورة ملحة، بحيث لا تُصاغ القوانين في معزل عن الواقع المعيشي، لضمان أن تظل الأسرة هي اللبنة القوية والأساس المتين الذي يبنى عليه المجتمع المستقر.

تطوير الرؤية القانونية لحق الرؤية والنفقة

اتجه المؤتمر نحو دعوة المشرع والقاضي المصري لتطوير النظرة القانونية لحقوق الرؤية والاستضافة والاصطحاب، لتكون حقوقًا خالصة للطفل ومصلحته الفضلى، مع توسيع صلاحيات قاضي الموضوع في تقدير هذه الحقوق دون الجمود عند نصوص تشريعية معينة.

وشدد البيان الختامي على ضرورة رفع الطاقة الاستيعابية لمحاكم الأسرة بإنشاء دوائر إضافية في المحافظات المزدحمة، وتطوير آليات تنفيذ الأحكام بما يكفل حماية فعلية للمحكوم لهم وسرعة استعادة الحقوق دون إطالة متعمدة في مسالك التنفيذ.

وتعتبر هذه الخطوات القانونية بمثابة ثورة في إجراءات التقاضي الأسري، حيث تسعى لتقليل فترات النزاع وحماية الأطفال من الآثار النفسية المدمرة للتقاضي الطويل، معتبرة أن خفض معدلات الطلاق هو "هدف قومي" تشارك فيه كافة مؤسسات الدولة.

وأكد المشاركون على أهمية تضافر الجهود لزيادة الوعي بخطورة الأفكار والنظريات الوافدة التي لا تتفق مع الأحكام المستقرة دينيًّا واجتماعيًّا في مجتمعاتنا، معلنين الرفض التام لأي محاولات لتغيير هوية الأسرة أو النيل من استقرارها.

كما تمت الدعوة إلى تغيير النمط الإعلامي في التعامل مع قضايا المرأة، والتوقف عن تصوير العلاقة الزوجية كصراع مستمر، واستبدال ذلك بنماذج ناجحة تبرز قيمة المودة والسكن التي نصت عليها الشرائع السماوية.

إن نجاح هذا المؤتمر الدولي في صياغة هذه التوصيات الـ 18 يمثل انطلاقة جديدة لتعاون مؤسسي بين الأزهر الشريف وجامعة عين شمس والجامعات الدولية، لضمان بناء مجتمع متماسك قادر على الصمود في وجه التحديات المعاصرة بكل ثقة.