الأربعاء 28 أكتوبر 2026
booked.net

في ذكرى ميلاده ووفاته.. محطات لا تعرفها من حياة "قيثارة السماء" الشيخ محمد رفعت

الشيخ محمد رفعت
الشيخ محمد رفعت

تحل اليوم السبت الموافق 9 مايو 2026 ذكرى استثنائية في تاريخ دولة التلاوة المصرية، حيث تجتمع ذكرى ميلاد ووفاة "قيثارة السماء" الشيخ محمد رفعت، ذلك الصوت الملائكي الذي طاف بالقلوب حول آفاق التدبر والخشوع لعقود طويلة.

ويعد الشيخ محمد رفعت أحد أبرز أعلام تلاوة القرآن الكريم في العصر الحديث، حيث استطاع بصوته النادر وأدائه المتفرد أن يضع حجر الأساس لمدرسة التلاوة الحديثة، ليصبح مرجعًا أساسيًا لكل من جاء بعده من عمالقة القراء في مصر والعالم الإسلامي.

إن الاحتفاء بذكرى الشيخ رفعت ليس مجرد استحضار لشخصية تاريخية، بل هو احتفاء بقيمة فنية ودينية شكلت وجدان الشعوب العربية، وارتبطت أرواحهم بصوته الرخيم الذي كان ينساب عبر أثير الإذاعة المصرية ليملأ الدنيا سكونًا وطمأنينة.

نشأة الشيخ محمد رفعت وبدايات التحدي في حي المغربلين بقلب القاهرة التاريخية

ولد الشيخ محمد رفعت في التاسع من مايو عام 1882 بحي المغربلين العريق في قلب القاهرة، وقد شاءت الأقدار أن يفقد بصره وهو لا يزال في الثانية من عمره، إلا أن هذا الفقد لم يزد أسرته إلا إصرارًا على توجيهه نحو كتاب الله.

أظهر الطفل المعجزة نبوغًا مبكرًا، حيث أتم حفظ القرآن الكريم كاملًا وهو في سن العاشرة، ليبدأ بعدها رحلة التعمق في علوم التجويد والقراءات المختلفة، دارسًا التفسير والمقامات الموسيقية بمسجد فاضل باشا بدرب الجماميز بمنطقة السيدة زينب.

ولم يكتف الشيخ رفعت بالحفظ المجرد، بل درس علم المقامات بعمق ليطوع صوته في خدمة النص القرآني، مما جعله يؤسس أول مدرسة للتجويد القرآني في مصر، تعتمد على الفهم العميق للمعاني وتصويرها من خلال التنقل المرن بين المقامات الصوتية.

المسيرة الذهبية من محراب مسجد فاضل باشا إلى افتتاح الإذاعة المصرية 1934

بدأ الشيخ محمد رفعت رحلته الاحترافية مع التلاوة في سن الرابعة عشرة، حيث جذب الأنظار بقوة أدائه وخشوعه، مما أدى لتعيينه قارئًا للسورة بمسجد فاضل باشا عام 1918، وظل في هذا المحراب المقدس يشنف الآذان حتى أقعده المرض.

وشهد عام 1934 التحول الأبرز في مسيرة قيثارة السماء، حين وقع الاختيار عليه ليكون أول صوت يفتتح البث الإذاعي المصري، فصدح بقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، ليخلد هذا الحدث كعلامة فارقة في تاريخ الإعلام والدين معًا.

ومنذ ذلك الحين، صار صوت الشيخ رفعت ركنًا أصيلًا في الإذاعة، خاصة خلال شهر رمضان المبارك، حيث كان يتلو القرآن مرتين يوميًا على الهواء مباشرة، ليرتبط صوته في أذهان المصريين بعبق الشهر الفضيل وأوقات السكينة والروحانية.

الخصائص الصوتية لعبقري التلاوة وشهادة الإمام الشعراوي في حق قيثارة السماء

امتزج في صوت الشيخ محمد رفعت إحكام التلاوة مع عذوبة الأداء وعمق الخشوع، وهو ما جعله يلقب بـ "مقرئ الشعب" و"مؤذن رمضان"، حيث كان يمتلك قدرة فائقة على الانتقال بين السلالم الموسيقية دون الإخلال بأحكام التجويد الرصينة.

وقد وصفه إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي بوصف بليغ لخص فيه عبقريته، قائلًا: "إن أردنا أحكام التلاوة فالحصري، وإن أردنا حلاوة الصوت فعبد الباسط، وإن أردنا الخشوع فهو المنشاوي، وإن أردنا النفس الطويل فهو مصطفى إسماعيل، وإن أردنا هؤلاء جميعًا فهو محمد رفعت".

هذا التكامل الفريد هو ما جعل صوت الشيخ رفعت عابرًا للأجيال، حيث تأثر به كبار القراء اللاحقين، وظلت تسجيلاته النادرة مدرسة مفتوحة لكل من يريد تعلم فن التلاوة الذي يجمع بين العلم الشرعي والذوق الرفيع والإحساس المرهف.

محنة المرض وموقف العزة والكرامة في حياة خادم القرآن الكريم

في عام 1944، أصيب الشيخ محمد رفعت بمرض عضال في حنجرته (زغطة مستمرة)، تسببت في توقفه عن التلاوة أمام الجمهور، وهي المحنة التي كشفت عن جانب إنساني عظيم في شخصيته يتمثل في عزة النفس والترفع عن الطلب.

ورغم ضيق ذات اليد وحاجته للعلاج، رفض الشيخ رفعت بشموخ كافة المساعدات المالية التي عُرضت عليه من محبيه ومعجبيه، وأطلق كلمته التاريخية التي سارت بها الركبان: "إن قارئ القرآن لا يُهان"، مفضلًا الصبر على البلاء مع الحفاظ على كرامة القرآن.

وظل الشيخ رفعت في منزله يعاني من آلام المرض بصبر واحتساب، مكتفيًا بما قدمه من إرث قرآني خالد، ومستندًا إلى حب الملايين الذين لم يتوقفوا عن الدعاء له، حتى وافته المنية في نفس يوم ميلاده التاسع من مايو عام 1950.

الوداع الأخير بجوار السيدة نفيسة وإرث الشيخ رفعت الخالد في الوجدان

رحل الشيخ محمد رفعت عن عالمنا عن عمر ناهز 68 عامًا، وقد تحققت أمنيته الأخيرة بأن يُدفن بجوار مسجد السيدة نفيسة بالقاهرة، في جنازة مهيبة تليق بمكانته كواحد من أعظم من قرأ القرآن بصوته في تاريخ الأمة الإسلامية.

ورغم مرور عقود طويلة على وفاته، لا يزال صوت قيثارة السماء هو الصوت المفضل للملايين وقت غروب شمس كل يوم في رمضان، حيث يبعث في النفوس حنينًا إلى زمن الصفاء والخشوع الذي جسده الشيخ رفعت بكل جوارحه وتفاصيل حياته.

وتسعى الهيئات الثقافية والإذاعية في مصر باستمرار لترميم وتسجيل ما تبقى من تراثه الصوتي النادر، لضمان وصول هذه الكنوز للأجيال الجديدة، وتخليد ذكرى الرجل الذي علم الدنيا كيف يكون القرآن مؤثرًا في القلوب قبل الآذان.