من الساحات إلى المؤسسات.. كيف صاغ إعلان 4 مايو مسار استعادة دولة الجنوب؟
تحل اليوم الاثنين، الرابع من مايو 2026، الذكرى التاسعة لإعلان عدن التاريخي، ذلك الحدث المفصلي الذي صاغ مرحلة جديدة في تاريخ الجنوب العربي، وشكل استجابة شعبية واعية للتحديات الوجودية التي واجهت الشعب الجنوبي ومكتسباته. ففي مثل هذا اليوم من عام 2017، تجسدت الإرادة الشعبية في أبهى صورها من خلال التفويض المطلق الذي منحه شعب الجنوب للواء عيدروس بن قاسم الزُبيدي، ليقود السفينة الوطنية نحو استعادة الدولة ومؤسساتها كاملة السيادة. ولم يكن إعلان عدن مجرد تجمع جماهيري عابر، بل كان بمثابة شهادة ميلاد لكيان سياسي موحد استطاع جمع شتات القوى الوطنية الجنوبية تحت راية واحدة وهدف مشترك، واضعًا حدًا لسنوات من التشتت القيادي.
سد الفراغ القيادي وبناء الحامل السياسي
تكمن الأهمية الجوهرية لهذا الإعلان التاريخي في نجاحه بتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تحول من فكرة ثورية إلى مؤسسة سياسية منظمة تعمل كحامل شرعي لقضية شعب الجنوب أمام المجتمع الدولي والإقليمي.
لقد استمد المجلس قوته الأساسية من الحشود المليونية التي غصت بها ساحة العروض في العاصمة عدن، مما منحه التفويض الكامل لتمثيل تطلعات الشعب في كافة المحافل الدبلوماسية. ومنذ تلك اللحظة، أثبتت القيادة الجنوبية قدرة فائقة على إدارة الصراع، من خلال الموازنة الدقيقة بين العمل العسكري الميداني لتأمين الجنوب من خطر المليشيات الحوثية والتنظيمات الإرهابية، وبين الحراك الدبلوماسي المكثف لانتزاع الاعتراف بعدالة القضية الجنوبية.
الجنوب رقمًا صعبًا في المعادلة الإقليمية
بفضل القيادة الرصينة للواء عيدروس الزُبيدي، أصبح الجنوب اليوم رقمًا صعبًا في المعادلة السياسية الإقليمية، بحيث لا يمكن تجاوز إرادته في أي تسوية شاملة للأزمة.
وقد نجح المجلس الانتقالي في فرض واقع مؤسسي جديد، مكنه من بناء قوات مسلحة جنوبية قوية قادرة على حماية الأرض وتأمين الممرات الدولية. هذا الحضور الطاغي في المشهد السياسي لم يأتِ من فراغ، بل كان نتاجًا لتلاحم القيادة مع القاعدة الشعبية التي لا تزال ترى في إعلان الرابع من مايو المرجعية القانونية والوطنية التي حفظت للجنوب هويته ومشروعه التحرري وسط العواصف السياسية المتلاحقة التي عصفت بالمنطقة.
مليونية العاصمة وتجديد العهد الوطني
واحتفاءً بهذه الذكرى العظيمة، وتأكيدًا على التمسك بالثوابت الوطنية، تستعد العاصمة عدن اليوم لاحتضان مليونية مركزية تاريخية بمشاركة وفود من مختلف محافظات الجنوب.
وتأتي هذه الفعالية الجماهيرية الكبرى لترسل رسائل واضحة للعالم أجمع، مفادها أن الشعب لا يزال يقف بصلابة خلف قيادته السياسية، وأن خيار استعادة الدولة الفيدرالية المستقلة هو خيار استراتيجي لا رجعة عنه. كما يبرز الاحتشاد التلاحم الشعبي الفريد من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا، مما يعزز ملف وحدة الصف الجنوبي ويقطع الطريق أمام أي محاولات لتمزيق النسيج الاجتماعي أو الالتفاف على مطالب الشعب المشروعة.
وقفة للتقييم وشحذ الهمم للمستقبل
إن الذكرى التاسعة لإعلان عدن التاريخي ليست مجرد مناسبة للاحتفال، بل هي وقفة وطنية جادة لتقييم الإنجازات المحققة وشحذ الهمم لمواجهة استحقاقات المرحلة القادمة بكل تحدياتها.
فالعاصمة عدن، التي احتضنت شرارة التحرير الأولى، تثبت اليوم مجددًا أن إرادة الشعوب لا تقهر بمرور السنين، وأن المسار الذي بدأ في مايو 2017 يمضي بخطى ثابتة ومدروسة نحو النصر النهائي. إن الالتفاف الشعبي حول المجلس الانتقالي في هذه الذكرى يعكس وعيًا جماهيريًا بأن بناء الدولة يحتاج إلى الصبر والنضال المؤسسي، وهو ما تجسده القيادة الجنوبية اليوم في كل تحركاتها الداخلية والخارجية.
