انسحاب أمريكي يربك أوروبا.. قرار ترامب تقليص القوات في ألمانيا يثير مخاوف استراتيجية داخل الناتو

متن نيوز

في خطوة تحمل أبعادًا استراتيجية عميقة، أعلن البنتاغون عن خطط لسحب نحو 5 آلاف جندي أمريكي من ألمانيا، ما يمثل خفضًا بنسبة تقارب 15% من إجمالي القوات الأمريكية هناك. غير أن التصريحات اللاحقة للرئيس دونالد ترامب كشفت عن توجه أكثر حدة، إذ أشار إلى نية بلاده تقليص الوجود العسكري “بشكل أكبر بكثير”، ما أثار قلقًا واسعًا في الأوساط السياسية والعسكرية الأوروبية والأمريكية على حد سواء.

خطوة تتجاوز الأرقام: تحوّل في الاستراتيجية

يُعد الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا أحد الأعمدة الأساسية للأمن الأوروبي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث تنتشر نحو 36 ألف قوة أمريكية في قواعد متعددة. ويُنظر إلى هذا الانتشار باعتباره جزءًا من منظومة الردع الغربية في مواجهة التهديدات، خاصة من روسيا.

لكن إعلان الانسحاب، سواء الجزئي أو الموسع، يعكس تحوّلًا في أولويات السياسة الدفاعية الأمريكية، وربما توجهًا لإعادة توزيع القوات نحو مناطق أخرى، أو تقليل الالتزامات العسكرية الخارجية.

قلق داخل واشنطن: انقسام سياسي

لم يمر القرار دون معارضة داخل الولايات المتحدة، حيث عبّر كل من مايك روجرز وروجر ويكر، وهما من أبرز الجمهوريين في لجان القوات المسلحة، عن “قلق عميق” من هذه الخطوة.

وحذّر المسؤولان من أن تقليص القوات قد يُضعف قدرة الردع الغربي، ويبعث برسالة خاطئة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خاصة في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية في أوروبا الشرقية.

كما أشارا إلى أن الدول الأوروبية لم تستكمل بعد تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية، ما يجعل الانسحاب الأمريكي سابقًا لأوانه.

رد أوروبي حذر: دعوة لتحمّل المسؤولية

في برلين، جاء رد الفعل رسميًا متزنًا لكنه يحمل دلالات واضحة. فقد اعتبر وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس أن الانسحاب “كان متوقعًا”، مؤكدًا ضرورة أن تتحمل أوروبا مسؤولية أكبر عن أمنها.

هذا التصريح يعكس إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية لم يعد خيارًا مضمونًا، خاصة في ظل التغيرات في السياسات الأمريكية.

 

الناتو في موقف حساس

من جانبه، أكد حلف شمال الأطلسي أنه يعمل مع الولايات المتحدة لفهم تفاصيل القرار، في محاولة لاحتواء تداعياته على تماسك الحلف.

ويواجه الناتو تحديًا مزدوجًا: الحفاظ على وحدة صفه في مواجهة التهديدات الخارجية، وفي الوقت نفسه التكيف مع احتمال تراجع الدور الأمريكي في القارة.

 

تداعيات محتملة: أمن أوروبا على المحك

يثير هذا القرار عدة تساؤلات جوهرية:

  • هل تستطيع أوروبا ملء الفراغ؟
    رغم زيادة الإنفاق الدفاعي في بعض الدول، لا تزال القدرات العسكرية الأوروبية غير كافية لتعويض الانسحاب الأمريكي الكامل.
  • هل يشجع ذلك خصوم الغرب؟
    قد يُنظر إلى تقليص القوات كإشارة ضعف، ما قد يدفع روسيا إلى اختبار حدود الردع الغربي.
  • هل نحن أمام إعادة تموضع عالمي؟
    قد يكون القرار جزءًا من استراتيجية أمريكية أوسع لإعادة توزيع قواتها نحو مناطق مثل آسيا والمحيط الهادئ.

خلاصة: بداية مرحلة جديدة في العلاقات عبر الأطلسي

لا يُعد تقليص القوات الأمريكية في ألمانيا مجرد خطوة عسكرية، بل هو مؤشر على تحول أعمق في طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا. وبينما تسعى واشنطن لإعادة تعريف أولوياتها، تجد أوروبا نفسها أمام اختبار حقيقي لقدرتها على بناء منظومة أمنية أكثر استقلالية.

وفي ظل هذه المتغيرات، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يشكل هذا الانسحاب بداية لتراجع الدور الأمريكي في أوروبا، أم مجرد إعادة تموضع مؤقت في عالم يتغير بسرعة؟