إلغاء الحبس التنفيذي واستبداله بالغرامة.. أبرز ملامح نظام التنفيذ الجديد م/237
في إطار التحولات التشريعية الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية واستكمالًا لنهج التطوير الشامل للمنظومة العدلية، صدر نظام التنفيذ الجديد بموجب المرسوم الملكي رقم (م/237) وتاريخ 3-11-1447هـ، ليشكل منعطفًا تاريخيًا في مسار تحديث القضاء التنفيذي وإعادة هيكلة آلياته بما يضمن الكفاءة والشفافية التامة.
ويأتي هذا النظام استجابة لمتطلبات الواقع العملي بهدف رفع جودة الإجراءات وتسريع وتيرة استيفاء الحقوق ومعالجة الثغرات التي كشفت عنها الممارسة السابقة، عبر حزمة من التعديلات الجوهرية التي تضبط العلاقة بين أطراف التنفيذ وفق قواعد منضبطة، كما يعد النظام امتدادًا طبيعيًا للتطورات التي تشهدها المملكة في القطاعات المالية والاقتصادية، مع إحالة التفاصيل الإجرائية إلى لائحة تنفيذية مرتقبة بقرار من معالي وزير العدل، مما يمنح النظام المرونة الكافية لمواكبة المتغيرات التقنية والقانونية المتسارعة وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تعزيز الثقة بالبيئة العدلية والاستثمارية.
تحولات جوهرية: إلغاء الحبس التنفيذي وتعزيز الشفافية المالية
من أبرز ملامح النظام الجديد هو التوجه نحو "الجزاءات البديلة" بدلًا من العقوبات المقيدة للحرية في القضايا المالية، حيث استبدل النظام الحبس التنفيذي في الأموال بغرامة مالية يومية لا تتجاوز خمسة آلاف ريال تؤول إلى خزينة الدولة، وهو ما يعكس فكرًا قانونيًا حديثًا يركز على الضغط المالي لاستيفاء الحقوق دون تعطيل حياة الأفراد الاجتماعية، كما منح النظام المحكمة صلاحيات موسعة للكشف الأموال المهربة أو المخفية من خلال إلزام الوكلاء والمتعاقدين وحتى المشتبه في محاباتهم بالإفصاح الكامل، مع إقرار حق الدائن في رفع دعوى "إبطال التصرفات" في حال ثبت قيام المدين بنقل أمواله للإضرار بالدائنين بعد إخطاره بطلب التنفيذ، يضاف إلى ذلك تعزيز الشفافية الرقمية عبر تمكين طالب التنفيذ من الاطلاع المباشر على البيانات المتعلقة بأموال المنفذ ضده، مما يسهم في تسريع إنهاء القضايا واستقرار المراكز القانونية.
ضبط السندات التنفيذية وحماية الأبعاد الاجتماعية
أحدث النظام نقلة نوعية في ضبط "السندات التنفيذية"، حيث اشترط تسجيل الكمبيالات وسندات الأمر في المنصات الإلكترونية الوطنية لضمان موثوقيتها، وقرر عدم قبول طلبات التنفيذ إذا مضى على تاريخ الاستحقاق أكثر من عشر سنوات تحقيقًا للاستقرار النظامي.
وفي جانب آخر راعى النظام البعد الإنساني والاجتماعي بشكل دقيق من خلال تحديد سقف للحجز على المعاشات التقاعدية للمدنيين والعسكريين ومنع الحجز تمامًا على الإعانات الحكومية، كما أتاح للمدين مخرجًا قانونيًا ببيع أمواله طوعًا بما يحقق مصلحة التنفيذ ويقلل من حدة الإجراءات الجبرية، مع تقنين مدة منع السفر لتكون ثلاث سنوات قابلة للتمديد لست سنوات كحد أقصى، مما يوازن بين حق الدائن في الضغط على المدين وحق الأخير في حرية الحركة وفق ضوابط واضحة ومحددة زمنيًا.
هيكلة المحاكم وضمانات العدالة الإجرائية
على المستوى التنظيمي، نص النظام على إعادة تشكيل محكمة التنفيذ لتتكون من دوائر ابتدائية ودوائر استئناف، مما يتيح مرونة تنظيمية تتناسب مع أحجام القضايا وطبيعتها في مختلف المناطق.
كما نظم النظام حالات انتهاء طلب التنفيذ بدقة، سواء لاستنفاد الإجراءات أو لتعذر التنفيذ، مع فتح آفاق واسعة لتقديم منازعات التنفيذ والتظلم من القرارات لتعزيز ضمانات العدالة الإجرائية، إن هذا النظام بما يحمله من حزم في استيفاء الحقوق ومرونة في التطبيق، يمثل ركيزة أساسية في تطوير القضاء التنفيذي السعودي، ومن المتوقع أن تسهم اللائحة التنفيذية عند صدورها في تفعيل هذه الأدوات بكفاءة عالية، مما يرسخ مكانة المملكة كبيئة قانونية رائدة تضمن الحقوق وتصون التعاملات المالية والمدنية وفق أعلى المعايير الدولية.
