كيف يدير "أسطول الظل" الإيراني تجارة نفط خفية عبر المحيطات؟
في تطور لافت يعكس اتساع رقعة المواجهة مع طهران، صادرت الولايات المتحدة ناقلة النفط "MT Tifani" في المحيط الهندي، في عملية دفعت بالصراع إلى مياه المحيطين الهندي والهادئ، بعيدًا عن الخليج العربي بآلاف الأميال.
وكشفت بيانات ملاحية، راجعتها شبكة "سي إن إن" الإخبارية، أن الناقلة كانت تنفذ رحلات متكررة بين إيران ومياه قبالة السواحل الماليزية، حيث كانت تتوقف لفترات طويلة قبل أن تغلق نظام التعريف الآلي (AIS) الخاص بها، لتعود للظهور لاحقًا بعد ساعات أو أيام.
وبحسب السلطات الأمريكية، تحمل الناقلة نحو 1.9 مليون برميل من النفط الإيراني، في مؤشر على حجم العمليات التي يديرها ما يُعرف بـ "أسطول الظل" الإيراني لتجاوز العقوبات الدولية.
بعيدًا عن الرقابة
ووفق الشبكة، سلطت العملية الضوء على منطقة بحرية قبالة ماليزيا تُعرف باسم "الحدود الخارجية الشرقية للميناء" (EOPL)، والتي تحولت إلى مركز رئيسي لتخزين وتبادل النفط الإيراني عبر عمليات نقل من سفينة إلى أخرى، بعيدًا عن الرقابة الدولية.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية وجود مئات السفن في هذه المنطقة، الواقعة قرب مدخل مضيق سنغافورة، أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحامًا في العالم، ما يجعلها نقطة مثالية لإخفاء الأنشطة غير المشروعة.
وفي حادثة سابقة، رُصدت "MT Tifani" وهي تنقل شحنة إلى سفينة أخرى تُدعى "Macho Queen"، التي اتجهت لاحقًا نحو الصين قبل أن تغلق نظام التتبع الخاص بها بعد فرض عقوبات أمريكية عليها.
كما صادرت الولايات المتحدة ناقلة ثانية، "MT Majestic X"، بعد رصد تحركات مشابهة لها بين الشرق الأوسط ومضيق سنغافورة.
تجاوز العقوبات
ويرى خبراء أن الموقع الجغرافي للمنطقة، إلى جانب تساهل بعض الجهات الرقابية، جعلا منها نقطة جذب لأسطول الظل الإيراني. وتشير تقديرات إلى تنفيذ ما لا يقل عن 679 عملية نقل نفطي بين السفن في المنطقة خلال عام 2025، مقارنة بـ 471 عملية في 2024.
وتعتمد إيران بشكل متزايد على هذه الأساليب للالتفاف على العقوبات، باستخدام ناقلات قديمة وسجلات غير واضحة، إضافة إلى تعطيل أجهزة التتبع وتغيير الأعلام وتزوير الوثائق.
وقال براون، كبير مستشاري منظمة "UANI"، إن معظم السفن التي تنقل النفط من إيران إلى آسيا مدرجة على القائمة السوداء للولايات المتحدة، في حين أن غالبية السفن التي تحمل النفط وتنقله إلى الصين لم تخضع للعقوبات بعد.
وأوضح فرزين نديمي، وهو زميل بارز في معهد واشنطن للأبحاث، متخصص في إيران "إنهم يخلقون سردية جديدة للشحنة الجديدة والسفينة الجديدة"، مضيفًا أن "الطاقم أحيانًا يصل إلى حد طلاء السفينة باسم أو علم جديدين. هذه عملية تبييض شحنات".
وبحسب بيانات شركات تحليل الطاقة، تصدر إيران نحو 1.69 مليون برميل يوميًا، يذهب نحو 90% منها إلى الصين، التي ترفض فرض عقوبات على النفط الإيراني.
ويتم بيع النفط الإيراني بخصم يقارب 10 دولارات للبرميل مقارنة بسعر خام برنت، الذي تجاوز 100 دولار منذ اندلاع الحرب، ما يدر عائدات بملايين الدولارات على طهران في كل عملية نقل.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 95% من عمليات النقل في هذه المنطقة ترتبط بتهريب النفط الإيراني أو الروسي إلى الصين، ما يعكس حجم "اقتصاد الظل" في سوق الطاقة العالمي.
نموذج معقد
وأوضح تقرير "سي إن إن"، أن إيران تستخدم هذه المنطقة كمخزون استراتيجي عائم، حيث سجلت مستويات قياسية بلغت 191 مليون برميل مخزنة في البحر، معظمها في شرق آسيا، ما يتيح لها الحفاظ على تدفق صادراتها رغم الضغوط العسكرية والعقوبات.
وسمح هذا الاحتياطي الاستراتيجي العائم لطهران بالحفاظ على مستويات تصدير عالية، حيث صدّرت ما معدله 1.1 مليون برميل يوميًا إلى الصين، حتى مع قصف الولايات المتحدة وإسرائيل للبلاد طوال شهر مارس (آذار) الماضي.
وفي تفاصيل العملية الأخيرة، أظهرت بيانات التتبع أن "MT Tifani" غادرت جزيرة خرج الإيرانية مطلع أبريل (نيسان) الجاري، قبل أن تغيّر مسارها بشكل مفاجئ قرب سريلانكا، في مناورة لافتة سبقت إعلان الولايات المتحدة السيطرة عليها.
وأظهرت لقطات نشرتها وزارة الدفاع الأمريكية قواتها على متن الناقلة، في وقت تحلق فيه مروحيات فوقها، فيما لا تزال السفينة متمركزة في المنطقة حتى الآن.
وأكد مراقبون أن هذه العمليات تكشف عن نموذج معقد لغسل شحنات النفط، يتيح لإيران مواصلة تمويل أنشطتها رغم القيود الدولية، في وقت يشهد فيه العالم اضطرابات حادة في إمدادات الطاقة.
