من عدن إلى المحافل الدولية: كيف انتزع الانتقالي الاعتراف بقضية الشعب من موقع القوة؟
تمر القضية الجنوبية اليوم بمنعطف تاريخي يتسم بالتعقيد الشديد، فبعد مرور تسع سنوات على لحظة الإنجاز التاريخي التي حسمها المجلس الانتقالي الجنوبي بانتزاع تفويض شعبي غير مسبوق، تبرز إلى السطح محاولات محمومة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. يواجه المشروع الجنوبي التحرري، الذي يقوده اللواء عيدروس الزُبيدي، موجة جديدة من "تفريخ" المكونات والكيانات السياسية التي تظهر فجأة تحت مسميات براقة، بينما تُسند ظهورها تمويلات خارجية صريحة تهدف بوضوح إلى خلط الأوراق وإضعاف الحامل السياسي الوحيد والمفوض من قبل الشعب. إن هذه الظاهرة لا يمكن قراءتها كحالة صحية من التنوع السياسي، بل هي استراتيجية ممنهجة لضرب التوافق الجنوبي من الداخل وتشتيت الجهود التحررية لصالح تسويات إقليمية قد لا تلبي طموحات شعب الجنوب في استعادة دولته كاملة السيادة.
من شتات صيف 94 إلى وحدة التفويض التاريخي
لقد عاش الجنوب عقب صيف 1994 الأليم حالة من التشظي والشتات السياسي نتيجة القمع الممنهج الذي مارسه نظام الاحتلال، وظلت المكونات الجنوبية تعاني من غياب القيادة الموحدة لسنوات طويلة، إلى أن جاء الرابع من مايو عام 2017 ليمثل ثمرة نضال مرير. في ذلك اليوم، خرجت الجماهير في عدن لتمنح تفويضًا تاريخيًا للمجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس عيدروس الزُبيدي، ومنذ تلك اللحظة، تحول المجلس إلى جبهة شعبية عريضة نجحت في صهر التباينات وحسم حالات التشظي، ليصبح المظلة التي تنضوي تحتها كافة القوى المؤمنة باستقلال الجنوب. وقد أثبت المجلس خلال السنوات الماضية قدرة فائقة على الموازنة بين القبضة العسكرية على الأرض والدبلوماسية الرفيعة في أروقة السياسة الدولية، مما جعله الرقم الأصعب في أي معادلة تتعلق بمستقبل المنطقة ومضيق باب المندب.
أدوار اللجنة الخاصة وسياسة المال السياسي
لا يمكن للمراقب السياسي أن يتجاهل الدور الذي تلعبه "اللجنة الخاصة" في إعادة إنتاج مكونات هلامية تهدف لمزاحمة الحامل الشرعي للقضية الجنوبية. هذه الأذرع التي تمسك بخيوط المشهد وجدت في قوة المجلس الانتقالي المتنامية تهديدًا لمصالحها التقليدية القائمة على إبقاء الجنوب في حالة تبعية. واليوم، وبعد أن استقر للمجلس حضور عسكري وسياسي يرفض الارتهان الكامل، لجأت بعض القوى إلى سياسة "إحياء الموتى" سياسيًا عبر استدعاء شخصيات من مرقد التشتت ومنحها تمويلات ضخمة لتدعي تمثيل الجنوب. الهدف الجوهري من ذلك هو إظهار المشروع الجنوبي وكأنه "مشروع منقسم"، مما يسهل على القوى الإقليمية تمرير حلول منقوصة مثل "اليمن الاتحادي" التي رفضها شعب الجنوب قولًا وفعلًا في ميادين الشرف.
رشاد العليمي ومحاولات كسر الاحتكار الجنوبي
تجلت ملامح هذه السياسة بوضوح حين برزت محاولات لخلق منصات حوارية مشبوهة، جاءت استجابة لرغبة رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الذي يحاول بكل قوة كسر احتكار المجلس الانتقالي لتمثيل القضية الجنوبية. ومن المفارقات العجيبة أن يبرز العليمي، الذي كان يومًا جزءًا من الأدوات التي قمعت شعب الجنوب، في ثوب الحريص على حل قضيته. إن إصرار العليمي على أن حل القضية لا يجب أن يكون حكرًا على طرف واحد هو "كلمة حق أريد بها باطل"، فهي تهدف في جوهرها إلى إغراق المجلس الانتقالي في بحر من الكيانات المصطنعة التي لا تمتلك أي رصيد نضالي أو قاعدة شعبية، بل هي مجرد أدوات وظيفية تنفذ ما يُطلب منها مقابل الحصول على وعود بالسلطة والنفوذ.
استراتيجية التفريخ وأهداف الوصاية الخفية
إن المتأمل في تركيبة المكونات التي تحاول القوى المعادية إحياءها يدرك أنها لا تنطلق من رحم المعاناة الجنوبية، بل هي انعكاس لآلية "التمويل مقابل الولاء". تتبنى هذه المكونات خطابًا سياسيًا باهتًا يتجنب الحديث عن الاستقلال الناجز، ويركز بدلًا من ذلك على شرعنة الوجود الشمالي في بعض المناطق الجنوبية أو القبول بأنصاف الحلول. القوى الإقليمية تسعى عبر هذه الأدوات إلى ضمان عدم قيام دولة جنوبية قوية وكاملة السيادة قد تخرج عن الوصاية الإقليمية. وهكذا تتحول هذه الكيانات إلى وسيلة ضغط لإقناع المجتمع الدولي بأن الجنوبيين منقسمون، وبالتالي يجب تأجيل تقرير المصير إلى أجل غير مسمى، وهو ما يخدم حصرًا مصالح قوى الشمال التي تتربص بالجنوب وثرواته المنهوبة.
ذكاء الانتقالي في إدارة معركة الثوابت
في مقابل هذا المشهد المعقد، لم يقف المجلس الانتقالي الجنوبي مكتوف الأيدي، بل تعامل بذكاء سياسي رفيع مع هذه الضغوط. إن وجود المجلس في مجلس القيادة الرئاسي وفي الحكومة لم يكن يومًا تنازلًا عن الثوابت، بل كان تكتيكًا يهدف إلى انتزاع الاعتراف الدولي ووضع القضية الجنوبية على طاولة أي تسوية سياسية من موقع القوة. المجلس يدرك تمامًا أن شرعيته مستمدة من الشعب الذي فوضه في الرابع من مايو، وليست ممنوحة من "فنادق الخارج" أو تمويلات المخابرات. هذه الشرعية الشعبية هي الصخرة التي تتحطم عليها كل محاولات الاختراق، فالجماهير التي قدمت قوافل من الشهداء لا يمكن أن تنطلي عليها ألاعيب المال السياسي أو وعود السلطة الزائفة التي تُقدم لقادة تلك المكونات "الكرتونية".
وعي الشعب الجنوبي هو الضمانة الأخيرة
إن الطريق نحو استعادة دولة الجنوب ليس مفروشًا بالورود، بل هو طريق محفوف بدسائس المال السياسي ومؤامرات القوى التي تخشى نهضة الجنوب. ومع ذلك، يظل وعي الإنسان الجنوبي، الذي صقلته عقود من الرفض والمقاومة، هو الضمانة الحقيقية لإفشال كل هذه المخططات. فمن راهنوا على القوى الخارجية في الماضي لم يحصدوا سوى الخذلان، بينما ظل المشروع الوطني التحرري الذي يقوده الانتقالي هو الثابت الوحيد في معادلة المتغيرات. إن محاولات تحويل قضية شعب الجنوب من قضية هوية واستقلال إلى مجرد ورقة في لعبة التوازنات الإقليمية هي محاولات محكوم عليها بالفشل، لأن إرادة الشعوب دائمًا ما تكون أقوى من تمويلات الاستخبارات ومن مخططات الغرف المغلقة.
يبقى المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة اللواء عيدروس الزُبيدي هو الحامل الأمين لتطلعات شعبنا، وهو الجبهة التي تتكسر عندها سكاكين الغدر السياسي. ومهما تزايدت الضغوط وتعددت الكيانات الهلامية، فإن الحقيقة الساطعة على الأرض هي أن الأرض تتحدث جنوبًا، وأن القوات المسلحة الجنوبية هي الصمام الحقيقي لهذا المشروع. إن النصر ليس مجرد شعار، بل هو استحقاق لشعب لم يبخل يومًا بدمائه، والمستقبل سيثبت أن المكونات التي تولد في أحضان التمويل الخارجي ستموت بمجرد توقف ذلك التمويل، بينما سيبقى المشروع التحرري راسخًا كجبال ردفان وشمسان، يقود السفينة نحو بر الأمان واستعادة الدولة كاملة السيادة التي لا تقبل القسمة على اثنين.
