أسعار النفط والتضخم.. صندوق النقد يرفع توقعاته لزيادة الأسعار عالميًا بنسبة 4.4%
أصدر صندوق النقد الدولي، الذي يتخذ من واشنطن مقرًا له، تقريرًا مثيرًا للقلق حذّر فيه من أن عددًا قليلًا فقط من دول العالم سينجو من التداعيات الاقتصادية العميقة والناتجة عن اندلاع الحرب في منطقة الشرق الأوسط، وتوقع الصندوق في أحدث قراءاته التحليلية لعام 2026 حدوث تباطؤ ملموس في معدلات النمو العالمي، يصاحبه زيادة مطردة في معدلات التضخم التي بدأت تضغط على القوة الشرائية للمستهلكين في مختلف القارات.
وقد جاء هذا التعديل الجذري في التوقعات مدفوعًا بالأحداث الدرامية التي شهدها شهر فبراير الماضي، عقب الضربات الإسرائيلية والأميركية المشتركة على أهداف إيرانية، وما تبعها من حصار بحري واضطرابات في الممرات الملاحية الاستراتيجية.
وأكد كبير الاقتصاديين في الصندوق، بيار أوليفييه غورينشاس، أن المؤسسة كانت تستعد فعليًا لرفع توقعات النمو قبل اندلاع الصراع، إلا أن الواقع الجيوسياسي الجديد فرض خفضًا قسريًا للتقديرات، حيث تستند التوقعات الأساسية الحالية إلى افتراض صراع قصير المدى يؤدي لاضطراب مؤقت في سوق الطاقة العالمي.
وفي ظل هذه الظروف المعقدة، توقع صندوق النقد الدولي أن يقتصر النمو الإجمالي العالمي على نسبة 3.1% فقط خلال العام الحالي، وهي نسبة تقل عن التوقعات السابقة التي صدرت في يناير وكانت تبلغ 3.3%، وحذر غورينشاس من أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يقود العالم إلى "أسوأ سيناريو" ممكن.
حيث قد ينخفض النمو إلى مستويات نادرة وخطيرة تصل إلى 2% فقط، مما يعني دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة من الركود الفعلي، ورغم أن أزمة الطاقة الحالية تُصنف على أنها الأكبر في التاريخ الحديث من حيث التقلبات السعرية، إلا أن الصندوق يرى أن تأثيرها لا يزال أقل حدة من أزمة النفط التي هزت العالم في سبعينات القرن الماضي، ويعزو المحللون ذلك إلى أن الاقتصاد المعاصر أصبح أقل اعتمادًا على النفط الخام كمصدر وحيد للطاقة، بفضل تنوع المصادر وزيادة كفاءة توليد الثروة من وحدات الطاقة المستهلكة، وهو ما يفسر "الصلابة النسبية" التي تبديها الأسواق حتى الآن.
مرونة الاقتصادات الكبرى
أوضح التقرير أن هناك تفاوتًا كبيرًا في قدرة الدول على تحمل صدمات الحرب، حيث تبرز الولايات المتحدة الأمريكية كواحدة من أقل الدول تضررًا من الناحية الاقتصادية المباشرة.
وتوقع الصندوق أن تحقق واشنطن نموًا بنسبة 2.3% في عام 2026، بتراجع طفيف لا يتجاوز 0.1 نقطة مئوية عن التقديرات السابقة، مما يعكس مرونة الاقتصاد الأمريكي وقدرته على استيعاب ضغوط الأسعار، ومع ذلك، فقد دفع ارتفاع أسعار النفط الصندوق إلى رفع توقعاته للتضخم العالمي الذي كان يشهد تباطؤًا ملحوظًا في أواخر العام الماضي، ليرتفع حاليًا بمعدل 4.4% عالميًا، وهو ما يزيد بنسبة 0.6 نقطة مئوية عن التوقعات السابقة، هذا الارتفاع في التكاليف يضع البنوك المركزية حول العالم أمام تحديات صعبة للموازنة بين كبح جماح الأسعار وتحفيز النمو، خاصة في الدول التي تعتمد بشكل كلي على استيراد احتياجاتها من الطاقة من مناطق الصراع المشتعلة.
وعلى صعيد المناطق الجغرافية، تُعد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بالإضافة إلى آسيا الوسطى، هي الأكثر تضررًا بشكل مباشر من آثار الحرب، حيث انخفضت توقعات النمو فيها إلى النصف تقريبًا.
وأشار غورينشاس إلى أن السبب الرئيسي يعود لوقوع هذه الدول في قلب العمليات العسكرية أو بالقرب منها، مما أدى إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي في عدد من دول المنطقة وتوقف المشاريع التنموية الكبرى، وفي المقابل، أظهرت الاقتصادات الناشئة الكبرى مقاومة مذهلة، إذ لم تتأثر الصين إلا بنسبة ضئيلة بلغت 0.1% من توقعات نموها لتبقى عند مستوى 4.4%، بينما شهدت الهند والبرازيل تعديلات إيجابية في توقعات نموهما، مما يشير إلى تحول بوصلة الاستثمار نحو الأسواق البعيدة عن المركز الجغرافي للأزمة، وهو ما يعزز مكانة هذه الدول كأقطاب نمو بديلة في النظام المالي العالمي الجديد.
تأثيرات الطاقة وروسيا
من بين المفاجآت التي حملها التقرير، هو رفع توقعات النمو لروسيا لتصل إلى 1.1% هذا العام، مقارنة بتقدير سابق كان يبلغ 0.8% فقط، وأرجع كبير الاقتصاديين هذا الارتفاع إلى القفزة الكبيرة في أسعار النفط العالمية، والتي وصفت بأنها "خبر سار لموسكو" نظرًا لزيادة عائدات التصدير التي تدعم الميزانية الروسية وتعوض تأثير العقوبات الغربية الأخرى، أما في المعسكر الغربي.
فتبدو اليابان وكندا في وضع أفضل لتجاوز الأزمة مقارنة بالقارة الأوروبية التي تعاني من قربها الجغرافي واعتمادها التاريخي على واردات الطاقة، وتبرز المملكة المتحدة كواحدة من أكثر الاقتصادات المتقدمة تضررًا، حيث شهدت توقعات نموها تراجعًا كبيرًا بنسبة 0.5 نقطة مئوية لتستقر عند 0.8% فقط، مما يضع الحكومة البريطانية تحت ضغوط اقتصادية وسياسية هائلة للتعامل مع أزمة تكاليف المعيشة المتصاعدة.
كذلك لم تكن منطقة اليورو بمعزل عن هذه الصدمات، حيث شهدت توقعات النمو فيها تراجعًا بنسبة 0.2 نقطة مئوية لتصل إلى 1.1%، مع وجود اختلافات واضحة بين القوى الاقتصادية داخل القارة.
فبينما تبدو فرنسا أقل تأثرًا بفضل تنوع مصادر طاقتها، تعاني ألمانيا وإيطاليا من انخفاضات أكبر في توقعات النمو نظرًا للاعتماد الكثيف لقطاعاتهما الصناعية على إمدادات الطاقة المستقرة التي تضررت جراء الحرب، ويختتم الصندوق تقريره بالتأكيد على أن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة "اختبار قوة" غير مسبوقة، حيث تتداخل العوامل العسكرية مع تقنيات الطاقة الحديثة والسياسات النقدية، مما يجعل التنبؤ بالمستقبل أمرًا محفوفًا بالمخاطر، ويبقى التساؤل القائم حول قدرة المجتمع الدولي على احتواء الصراع ومنع انزلاق العالم نحو ركود شامل قد يستمر لسنوات طويلة.
