الدولار والنفط في 2026.. كواليس تراجع العملة الأمريكية للجلسة الثامنة على التوالي

الدولار والنفط
الدولار والنفط

سجل الدولار الأمريكي تراجعًا ملحوظًا للجلسة الثامنة على التوالي في أبريل 2026، في تحرك وصفه المحللون بأنه لا يعكس ضعفًا اقتصاديًا تقليديًا بقدر ما يكشف تحولًا أعمق في سلوك المستثمرين داخل الأسواق العالمية، حيث لم يعد المشاركون في السوق يسعّرون الحرب نفسها أو التوترات العسكرية الراهنة، بل بدأوا في تسعير نهايتها والبحث عن آفاق السلام، وهو ما يدفع العملة الأميركية للتراجع التدريجي رغم استمرار التصعيد الميداني.

وتفيد التقارير الواردة بأن فرق التفاوض من الولايات المتحدة وإيران ربما تعود إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد خلال الأسبوع الجاري لاستئناف المحادثات الدبلوماسية بهدف إنهاء النزاع، وذلك بعد فترة قصيرة من انهيار المفاوضات السابقة التي دفعت واشنطن لفرض حصار بحري صارم على الموانئ الإيرانية، هذا التباين الحاد بين واقع الصراع على الأرض وبين تسعير الأصول المالية يكشف أن الدولار لم يعد يتحرك كرد فعل مباشر للأحداث العسكرية، بل أصبح حلقة ضمن سلسلة اقتصادية معقدة تبدأ بأسعار النفط وتمر بتوقعات التضخم وتنتهي بمسار الفائدة لدى البنك المركزي الأمريكي.

ويرى الخبراء أن هذا التراجع المستمر يعكس حالة من التفاؤل الحذر بقرب التوصل إلى مخرج سياسي، خاصة مع وجود توجيهات واضحة من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرورة البحث عن حلول دبلوماسية للأزمة، وصرح كارل شاموتا، كبير محللي السوق لدى «كورباي»، بأن هذه التوجهات تعزز توقعات الأسواق بالتوصل إلى اتفاق رمزي يسمح بوقف الهجمات المتبادلة وإعادة فتح مضيق هرمز الاستراتيجي أمام حركة الملاحة الدولية، وهو ما انعكس بشكل فوري على أسعار الطاقة حيث انخفض النفط لليوم الثاني على التوالي، مسجلًا خسائر فادحة تجاوزت 20 دولارًا في يومين فقط لخام غرب تكساس الوسيط، هذا الارتباط الوثيق بين تراجع النفط وهبوط الدولار يؤكد أن المحرك الأساسي للعملة الآن هو تكلفة الطاقة وتأثيرها على سلسلة التوريد العالمية وتوقعات النمو، بعيدًا عن مفاهيم الملاذ الآمن التقليدية التي عادة ما تنتعش في أوقات الحروب.

ارتباط العملة بالنفط

انخفض مؤشر الدولار الذي يقيس قيمة العملة الأمريكية مقابل سلة من العملات الرئيسية بقرابة 0.3% ليقترب من مستويات 98 نقطة، مسجلًا أدنى مستوياته منذ مطلع مارس الماضي، وهو التاريخ الذي شهد اندلاع المواجهات المباشرة، ويعد هذا التراجع الذي دخل يومه الثامن هو السلسلة الأطول من الانخفاضات منذ ديسمبر من العام الماضي، ما يضع الدولار أمام ضغوط بيعية حقيقية ناتجة عن تغير مراكز المستثمرين، ومع نهاية العام الماضي زادت التوقعات بأن يقدم مجلس الاحتياطي الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة لمرتين على الأقل خلال العام الجاري، ما قد يؤدي لانخفاض قيمة العملة بنسبة 10% خلال عام 2025 و2026، وعلى الرغم من تصريحات أوستن غولسبي، رئيس الاحتياطي الاتحادي في شيكاغو، التي لمحت إلى إمكانية تأجيل خفض الفائدة حتى عام 2027 بناءً على مستويات أسعار النفط، إلا أن السوق لا يتفاعل مع هذه التصريحات بجدية، مفضلًا التركيز على مآلات الحرب وتداعياتها النهائية على معدلات التضخم طويلة الأجل.

وظل الدولار مستقرًا إلى حد ما خلال تعاملات اليوم الأربعاء، حيث يوازن المستثمرون بين مخاطر الإمدادات الناجمة عن سيطرة البحرية الأمريكية على حركة السفن في مضيق هرمز وبين احتمالات استمرار الحوار الدبلوماسي، وبحسب استطلاع حديث لـ «بنك أوف أميركا»، قام المستثمرون بتغطية مراكز البيع على الدولار لكنهم في الوقت ذاته لا يرغبون في فتح مراكز شراء جديدة، في إشارة قوية إلى أن الدعم الناتج عن الأزمة الجيوسياسية يُنظر إليه على أنه دعم مؤقت وزائل، ويميل المشاركون في السوق إلى توقع سياسة تيسيرية من مجلس الاحتياطي الفيدرالي في المستقبل القريب، حيث استبعد أغلبهم إقدام البنك على رفع إضافي لأسعار الفائدة في ظل تباطؤ الزخم الاقتصادي الناتج عن ارتفاع تكاليف الطاقة السابقة، ما يجعل الدولار يقف في منطقة رمادية بانتظار إشارات حقيقية من طاولة المفاوضات في إسلام آباد.

أداء المنافسين والحذر

في ظل تراجع الدولار، بدأت عملات المنافسين في تحقيق مكاسب طفيفة، حيث ارتفع اليورو مقابل الدولار بنسبة 0.03% ليصل إلى مستوى 1.1791 دولار، وصعد الين الياباني بنسبة 0.2% ليصل إلى 158.8 ينًا للدولار الواحد، كما ازداد الجنيه الإسترليني ليصل إلى أعلى مستوياته منذ منتصف فبراير الماضي عند 1.3568 دولار، وتشير هذه التحركات المحدودة والطفيفة إلى حالة من الحذر الشديد التي تسيطر على المتداولين، حيث لا يزال هناك إحجام عن المخاطرة وضخ سيولة واسعة في ظل عدم اليقين الجيوسياسي، وأوضح تيروماسا كاواكامي، المحلل في «ميتسوبيشي يو إف جيه بنك»، أن التوقعات باستمرار المفاوضات تمنع تدهور المعنويات، لكنها لا تكفي لدفع المستثمرين نحو رهانات جريئة، خاصة وأن الحرب في الشرق الأوسط كانت قد رفعت أسعار النفط بأكثر من 40% في بدايتها، وهو ما عزز حينها مخاوف التضخم والركود التضخمي العالمي.

ويرى مارك تشاندلر، كبير المحللي لدى «بانوكبيرن كابيتال ماركتس»، أن السوق يسير حاليًا في اتجاه يتبع فيه الدولار خطى النفط، بينما يتبع النفط مسار المفاوضات السياسية، ونظرًا لاحتمالية حدوث أي تصعيد مفاجئ أو فشل في المحادثات، يظهر المتداولون قدرًا كبيرًا من ضبط النفس، وهو ما يفسر عدم الانهيار الحاد للدولار وبقاءه قرب مستويات 98 نقطة، ومع ذلك، فإن نحو خُمس المستثمرين المشاركين في استطلاع «بنك أوف أميركا» يرون أن اتخاذ مراكز بيع سلبية على الدولار يمثل الرهان الأكثر إقناعًا وقوة لعام 2026، حيث يتوقعون أن يميل مجلس الاحتياطي الاتحادي نحو انتهاج سياسة نقدية أكثر مرونة بمجرد استقرار الأوضاع السياسية، ما سيضع الدولار تحت ضغوط مزدوجة تجمع بين غياب الطلب كملاذ آمن وبين انخفاض العائد على العملة الأمريكية.

الرؤية المستقبلية للسوق

إن الدولار الأمريكي لم يعد يتحرك داخل القواعد التقليدية المعروفة، بل أصبح رهينة للتوافقات الجيوسياسية ومعدلات التضخم العابرة للحدود، فإذا نجحت مفاوضات إسلام آباد في التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، فمن المتوقع أن يواصل الدولار تراجعه أمام العملات الرئيسية الأخرى مع تزايد الثقة في الاقتصاد العالمي وتراجع أسعار الطاقة بشكل أكبر، أما في حالة حدوث تعثر جديد، فقد يعود الدولار للارتفاع مؤقتًا كرد فعل لمخاوف تعطل الإمدادات، لكن الرؤية العامة لعام 2026 تشير إلى أن زخم العملة الناتج عن الأزمات ينظر إليه كعنصر عابر، وتبقى السياسة النقدية الأمريكية هي القائد الحقيقي للسوق على المدى الطويل، لذلك فإن التراجعات الحالية هي انعكاس حقيقي لسوق لم يحسم أمره بعد، لكنه يميل بوضوح نحو البحث عن السلام وتخفيض تكاليف الفائدة.