من تحتمس الثالث إلى اليوم.. رحلة شم النسيم من قمة الهرم الأكبر إلى موائد المصريين
أكدت وزارة الأوقاف المصرية في بيان توضيحي شامل أن الاحتفال بيوم شم النسيم يُعد عادة اجتماعية متوارثة لا تخالف أصول الدين الإسلامي، ما دام أنها تجردت من المحرمات والاعتقادات التي تضاد العقيدة الصحيحة، وأوضحت المؤسسة الدينية أن هذا اليوم لا يُصنف كعيد ديني إسلامي، إذ يقتصر المسلمون في أعيادهم الدينية على عيدي الفطر والأضحى، ومع ذلك فإن الإسلام لم يأتِ ليمحو أعراف الشعوب وهويتها الجمالية، بل جاء ليهذبها ويجعلها وسيلة للتقرب إلى الله من خلال صلة الأرحام والتأمل في عجائب خلقه، وفي ظل عام 2026، يستمر هذا الاحتفال كشاهد على عبقرية الشخصية المصرية التي استطاعت دمج موروثها الحضاري الضارب في القدم مع قيم الإسلام الوسطية، ليصبح شم النسيم يومًا للجمال والصفاء النفسي والمواطنة الصالحة التي تجمع أبناء الوطن الواحد تحت راية الفرح المشروع والتمتع بالطيبات التي أخرجها الله لعباده.
الفتوى الرسمية والضوابط الشرعية للأطعمة والتنزه
وضعت دار الإفتاء المصرية النقاط على الحروف في فتواها المستقرة رقم 4312، حيث أكدت أن الأصل في شم النسيم هو "الإباحة" بصفته مناسبة قومية ليس فيها طقوس تعبدية مخالفة، ويندرج الاحتفال به تحت أبواب المندوبات إذا اقترن بنيات صالحة مثل التوسعة على العيال وإدخال السرور على قلوب الأهل، أما بخصوص العادات الغذائية الشهيرة كأكل الفسيخ والرنجة وتلوين البيض، فقد أوضح العلماء أن الأصل في الأطعمة الحل والإباحة، لقوله تعالى: {قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱرزۡقِۚ}، ولكن هذه الإباحة مقيدة بشرط السلامة الصحية، فإذا ثبت أن الأطعمة فاسدة أو تشكل خطرًا محققًا على الصحة العامة، فإنها تدخل في دائرة التحريم طبقًا للقاعدة الفقهية "لا ضرر ولا ضرار"، وبذلك يصبح الالتزام بالمعايير الصحية واجبًا شرعيًا ووطنيًا في هذه المناسبة.
عمرو بن العاص وشرعية الفرح في الموروث الإسلامي
تكشف المصادر التاريخية الموثقة مثل "فتوح مصر والمغرب" لابن عبد الحكم، أن الصحابي الجليل عمرو بن العاص، والي مصر في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، كان يدرك تمامًا قيمة هذا اليوم لدى المصريين، فكان يخطب فيهم مع بداية الربيع ويحثهم على الخروج للمتنزهات والتمتع بجمال الطبيعة، داعيًا إياهم لشكر المنعم سبحانه على نعمته، بل وكان يوصيهم بألا يعود أحد من نزهته إلا ومعه "تحفة" أو هدية لأهله على قدر سعته، وهذا يؤكد أن الرعيل الأول من المسلمين لم يجد غضاضة في مشاركة المصريين احتفالاتهم بالربيع، بل اعتبروها فرصة لتجديد النشاط والترويح عن القلوب التي تمل إذا لم تُرِح، امتثالًا للهدي النبوي الشريف "يا حنظلة ساعة وساعة"، وهو ما يعزز فكرة أن الترويح المباح هو جزء من تكوين الشخصية المسلمة المتوازنة.
أصل شم النسيم من "شمو" الفرعونية إلى "النيروز" العالمي
يرجع تاريخ هذا الاحتفال إلى آلاف السنين، وتحديدا إلى عهد الدولة القديمة، حيث كان يُعرف باسم "شمو" (Shemu)، وهو الاسم الذي أطلقه المصريون القدماء على فصل الحصاد والخير، اعتبر المصري القديم هذا اليوم رمزًا للبعث الجديد والحياة المتجددة، وهو ما يتجلى فلكيًا في ظاهرة تعامد الشمس على قمة الهرم الأكبر في الاعتدال الربيعي (21 مارس)، ومع مرور العصور تحور الاسم إلى "شوم إنسم" في القبطية حتى وصل إلى صورته الحالية "شم النسيم" في اللسان العربي، وبفضل الامتداد الحضاري المصري في عهد الملك تحتمس الثالث، انتقلت هذه الطقوس إلى بلاد الفرس والبابليين ليُعرف هناك باسم "النيروز"، مما يثبت أن الروح المصرية كانت ولا تزال هي الملهمة الأولى لاحتفالات الربيع في العالم القديم والحديث، مع الحفاظ على جوهر السعادة كقيمة إيمانية واجتماعية عليا.
التلاحم الوطني وروح الجماعة في احتفالات الربيع
تتجلى عبقرية الشخصية المصرية في جعل احتفال شم النسيم يومًا يجمع كافة أطياف المجتمع، حيث يأتي عادة تاليًا لصوم الإخوة المسيحيين، مما يحول الفرحة من إطارها الخاص إلى إطار الجماعة الوطنية الواحدة، وترى المؤسسة الدينية الرسمية أن هذا الاندماج يقوي نسيج الوطن ويرسخ مفاهيم المواطنة، فالاحتفال بالطبيعة هو شكر عملي لله على إحياء الأرض بعد موتها، لقوله تعالى: {فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ}، لذا فإن التواجد في المتنزهات والحقول وتلوين البيض الذي يرمز للحياة هو ممارسة إنسانية راقية لم يصدمها الإسلام بل هذبها ووجهها نحو المعاني السامية، مشددة على ضرورة الالتزام بالآداب العامة والبعد عن الإسراف أو ما يخدش الحياء العام، ليبقى اليوم نموذجًا للجمال والتحضر.
تفنيد دعاوى التحريم وحائط الصد ضد التشدد
شددت وزارة الأوقاف على أن الفتاوى التي تخرج من حين لآخر لتحريم شم النسيم هي فتاوى لا تعبر عن منهج المؤسسة الدينية الوسطي، وتفتقر للدليل الشرعي الaصحيح وللفهم الواقعي للتاريخ المصري، فالادعاء بأن المناسبة لها أصول وثنية تخالف العقيدة هو زعم باطل، لأن المصريين يحتفلون بالطبيعة وبصنع الله، ولا يمارسون طقوسًا تعبدية لغير الله، إن الإسلام يقر العادات الحسنة التي تجلب المصلحة ولا تسبب المفسدة، وتعتبر قاعدة "العادة محكمة" نبراسًا في هذا الباب، فما دام العرف قد جرى على التوسعة والسرور دون منكرات، فلا وجه للتحريم، وستبقى دار الإفتاء والأوقاف حائط صد ضد الأفكار المتشددة التي تسعى لحرمان الناس من بهجة الحياة المباحة وتشويه الروابط التاريخية التي تربط المصريين بأرضهم وحضارتهم.
يظل شم النسيم في الرؤية المصرية هو عيد الطبيعة الذي لا يفرق بين أحد، ويوم لاستعادة النشاط وممارسة قيم التراحم والمودة، إن الالتزام بالضوابط الشرعية والأخلاقية أثناء الاحتفال يجعل منه عبادة يؤجر عليها المسلم إذا نوى بها شكر الله والترويح عن أهله، فمصر دائمًا هي منبع القيم والجمال، وسيظل المصريون متمسكين بتقاليدهم التي تزرع الفرح في القلوب وتطرح الهموم خلف الظهر، سائلين الله أن يديم على مصر وأهلها الأمن والأمان والبهجة في كل عام، ليبقى شم النسيم شاهدًا حيًا على تواصل الأجيال الذي لا ينقطع، وعلى سماحة الدين الذي يحتفي بالجمال أينما وجد.
