برئاسة مدبولي.. مجلس الوزراء يناقش خطط مواجهة الركود التضخمي واضطراب سلاسل الإمداد

صورة من اللقاء
صورة من اللقاء

ترأس الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، اليوم الخميس 9 أبريل 2026، اجتماعًا موسعًا لمجلس الوزراء بمقر الحكومة بالعاصمة الإدارية الجديدة، حيث استعرض الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، تقريرًا شاملًا حول سيناريوهات تداعيات الأزمة الجيوسياسية الإقليمية الراهنة على مؤشرات الاقتصاد المصري، وبدأ الوزير عرضه بتحليل أهم التداعيات الاقتصادية العالمية، مؤكدًا أنها أفضت إلى سلسلة مترابطة من التبعات السلبية التي طالت كافة دول العالم، وشملت عدم انتظام سلاسل الإمداد الدولية، وتباطؤ نمو التجارة العالمية في المجالات السلعية والخدمية، بالإضافة إلى اضطراب أسواق المال العالمية وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والمعادن الأساسية بشكل قياسي، وأوضح الوزير أن هذه الأزمات المتلاحقة أدت إلى ارتفاع تكلفة الاستيراد وزيادة العجز التجاري في العديد من الدول الناشئة، فضلًا عن ارتفاع أسعار الفائدة وتكاليف التمويل من الأسواق الدولية، مما أسهم في انتشار ظاهرة الركود التضخمي وتراجع معدلات النمو الاقتصادي العالمي بشكل عام، وهو ما يتطلب سياسات اقتصادية مرنة للتعامل مع هذه المعطيات المتغيرة لضمان استقرار الدولة.

وتطرق الدكتور أحمد رستم، خلال العرض، إلى أهم التجارب الدولية والإجراءات التي اتخذتها الدول حول العالم للتعامل مع الأزمة، والتي تضمنت الترشيد في مجالات مختلفة لتأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين، وتأمين إمدادات الطاقة عبر إجراءات استراتيجية متعددة، وإعداد خطط تجارية متنوعة لمواجهة أي نقص في المواد الخام، وأكد الوزير حرص الحكومة المصرية على استمرارية جهود التنمية بالرغم من استمرار التوترات الجيوسياسية الإقليمية وخفض توقعات النمو العالمي، وذلك من خلال استغلال الفرص المتاحة التي تخلقها الأزمات، مثل زيادة فرص التصنيع البديل وإحلال الواردات بمنتجات محلية الصنع، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة في القطاعات الواعدة، وتعزيز التصدير الزراعي والغذائي للأسواق العالمية التي تعاني من فجوات في الإمدادات، مشيرًا إلى أن الاقتصاد المصري يمتلك من المرونة ما يمكنه من تحويل التحديات إلى فرص حقيقية للنمو عبر تعظيم الموارد المتاحة وتحسين كفاءة الإنتاج المحلي في ظل هذه الظروف الاستثنائية.

تطور معدلات التضخم

وفي سياق متصل، استعرض وزير التخطيط تطورات معدل التضخم خلال شهر مارس الماضي، موضحًا أن معدل تضخم أسعار المستهلكين شهد ارتفاعًا ملحوظًا، حيث بلغ نحو 13.5%، مقارنةً بـ 11.5% خلال شهر فبراير، و10.1% في شهر يناير من عام 2026، وأضاف الوزير أن البيانات تشير إلى تسارع في معدل التضخم خلال الشهرين الأخيرين، وهو ما يعكس تحولًا نحو اتجاه تصاعدي بعد فترة من الاستقرار النسبي التي شهدتها الأسواق، ويُعزى هذا الارتفاع في المقام الأول إلى التطورات الجيوسياسية الإقليمية التي أدت إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في الممرات الملاحية والحيوية، مما أسفر عن تعطّل حركة التجارة والنقل وارتفاع تكاليف الشحن الدولي بشكل كبير، كما ساهمت التوترات في زيادة أسعار الطاقة العالمية، لا سيما النفط والغاز، وهو ما انعكس بشكل مباشر وفوري على تكاليف الإنتاج والنقل الداخلي، ومن ثم أدى إلى ضغوط تصاعدية على الأسعار المحلية للسلع والخدمات الأساسية.

واستطرد الوزير في عرضه مبينًا أن ارتفاع أسعار السلع عالميًا وزيادة درجة المخاطر في التجارة الدولية أسهم في ارتفاع تكلفة الواردات، خاصة السلع الغذائية الاستراتيجية والمواد الخام والمستلزمات الوسيطة اللازمة للصناعة، الأمر الذي أدى إلى تغذية الضغوط التضخمية في السوق المحلية المصرية، وأشار الدكتور أحمد رستم إلى أن هناك قطاعات اقتصادية معينة استفادت من تداعيات الأزمة الحالية، خاصة تلك المرتبطة بالتصدير البديل، في حين حافظت قطاعات أخرى على قدر من الاستقرار النسبي إذ اقتصر تأثرها على نطاق محدود، بينما تعرضت بعض القطاعات الإنتاجية والخدمية في المقابل تأثيرات سلبية ملحوظة نتيجة اعتمادها الكثيف على المدخلات المستوردة أو تأثرها المباشر بتكاليف الشحن واللوجستيات، وهو ما تراقبه الحكومة بدقة لاتخاذ الإجراءات التصحيحية اللازمة لدعم القطاعات المتضررة وحماية الفئات الأكثر احتياجًا من آثار التضخم.

حلول مبتكرة وترشيد الطاقة

وفي إطار البحث عن حلول غير تقليدية لمواجهة الأزمة، عرض الوزير تقديرات الوفر المحقق في استهلاك الوقود نتيجة تطبيق نظام العمل عن بُعد في القطاعين العام والخاص، مستعرضًا في هذا السياق النتائج الإيجابية المتحققة في توفير الطاقة من تطبيق هذا القرار بشكل جزئي أو كلي في بعض المؤسسات، وأكد الوزير أن التحول نحو أنظمة العمل المرنة واستخدام التكنولوجيا الرقمية لم يسهم فقط في استمرار دورة العمل بكفاءة، بل ساعد بشكل ملموس في خفض الضغط على استهلاك المحروقات وتقليل الازدحام المروري، مما ينعكس إيجابًا على خفض تكاليف الإنتاج الإجمالية وتقليل الانبعاثات الكربونية، وتأتي هذه الخطوات ضمن حزمة من إجراءات الترشيد التي تتبناها الدولة لتأمين الاحتياجات الأساسية وتوجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر إنتاجية، بما يضمن استدامة المؤشرات الاقتصادية الكلية في مواجهة الهزات الخارجية العنيفة التي يمر بها الاقتصاد العالمي في الوقت الراهن.

إن السيناريوهات التي عرضها وزير التخطيط اليوم أمام مجلس الوزراء تعكس رؤية استباقية للدولة المصرية في التعامل مع الأزمات، حيث يتم وضع خطط بديلة لكل مستوى من مستويات التأثر الجيوسياسي، ومع استمرار الحكومة في دعم قطاعات الزراعة والصناعة الوطنية، يظل الرهان على قدرة القطاع الخاص في التكامل مع جهود الدولة لزيادة الصادرات وجذب العملة الصعبة، وخلص الاجتماع إلى ضرورة استمرار المتابعة اللحظية لكافة المتغيرات العالمية والإقليمية، مع التأكيد على توافر مخزون استراتيجي آمن من السلع الأساسية والطاقة، والعمل المستمر على تحسين بيئة الاستثمار لضمان تدفق رؤوس الأموال، وستبقى جهود التحول الرقمي وميكنة الخدمات وتطوير منظومة العمل عن بُعد ركائز أساسية في استراتيجية الحكومة لمواجهة تحديات المستقبل، لضمان عبور الاقتصاد المصري نحو آفاق أكثر استقرارًا ونموًا في عام 2026 وما يليه من سنوات التنمية المستدامة.