هل سقط اتفاق ترامب؟ رشقات صاروخية "احتفالية" من طهران وصنعاء تستهدف العمق الإسرائيلي
في مفارقة أمنية وسياسية كبرى، لم يكد يمر وقت قصير على إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق نار مؤقت مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حتى اشتعلت جبهات المواجهة بشكل غير مسبوق، حيث تعرضت إسرائيل لسلسلة من الرشقات الصاروخية المتزامنة والمنطلقة من الأراضي الإيرانية ومن اليمن ولبنان، مما أدى إلى حالة من الاستنفار القصوى في كافة أرجاء البلاد، هذا التصعيد المفاجئ دفع بملايين الإسرائيليين إلى الاحتماء بالملاجئ والغرف المحصنة، في مشهد يعكس هشاشة الوضع الأمني والتعقيدات التي تواجه أي مسعى سياسي للهدنة، خاصة وأن الهجوم شمل مناطق واسعة تمتد من أقصى الشمال في نهاريا ونيشر وصولًا إلى تل أبيب وبيتاح تكفا وبني براك في المركز، وانتقالًا إلى بئر السبع في أقصى الجنوب، مما جعل خارطة الإنذار تكتسي باللون الأحمر بالكامل.
وبحسب المصادر الرسمية والمسؤولين الإسرائيليين، فإن الاتفاق الذي أعلنه ترامب كان من المفترض أن يكون شاملًا، متضمنًا وقفًا لكافة الأعمال العدائية بما يشمل الجبهة اللبنانية والعمليات العسكرية الإسرائيلية، إلا أن الواقع على الأرض جاء مغايرًا تمامًا، فبعد دقائق معدودة من الخطاب الرئاسي الأمريكي، دوت صفارات الإنذار ست مرات متتالية في مناطق الشمال والوسط والجنوب بعد رصد صواريخ باليستية ومسيرات انطلقت من لبنان، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل دوت الصافرات مرتين إضافيتين في جنوب إسرائيل عقب رصد إطلاق صواريخ بعيدة المدى من اليمن، مما أكد أن الهجوم كان منسقًا ومنظمًا لإيصال رسائل سياسية وعسكرية تتجاوز حدود الجغرافيا التقليدية للصراع.
انفجارات وأضرار مادية في العمق الإسرائيلي
رافق دوي صفارات الإنذار أصوات انفجار عنيفة هزت سماء المدن الكبرى، نتيجة محاولات منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية اعتراض هذا الوابل من الصواريخ، وأفادت طواقم "نجمة داود الحمراء" بوقوع أضرار مادية مباشرة جراء سقوط شظايا الصواريخ الاعتراضية أو بقايا القذائف في ثلاثة مواقع حيوية بوسط إسرائيل، ففي مدينة بيتاح تكفا، رصدت الطواقم إصابة مباشرة في أحد المباني مما أدى لاندلاع نيران كثيفة، بينما تضررت مبانٍ أخرى في مدينة تل أبيب نتيجة سقوط الشظايا، وفي مدينتي بني براك ونيشر، تسبب سقوط الحطام الصاروخي على الطرق الرئيسية في حالة من الشلل المروري والذعر بين السكان، ولم تكن بئر السبع في الجنوب بمنأى عن ذلك، حيث تضررت واجهات مبانٍ سكنية نتيجة الشظايا، ورغم ضخامة الهجوم وحجم الانفجارات، إلا أن التقارير الطبية الأولية لم تسجل وقوع إصابات بشرية خطيرة حتى هذه اللحظة، وسط استمرار عمليات التمشيط.
وفيما يتعلق بالصواريخ المنطلقة من اليمن، ذكرت محطات التلفزة الإسرائيلية الرسمية أن الدفاعات الجوية نجحت في اعتراض الأهداف قبل وصولها إلى أهدافها الاستراتيجية في الجنوب، ومع ذلك، فإن مجرد وصول هذه الصواريخ إلى سماء النقب وبئر السبع يعد خرقًا أمنيًا وتحديًا كبيرًا للرواية الأمريكية حول التهدئة، وأكد المحللون العسكريون في إسرائيل أن هذا الهجوم المتعدد الجبهات هو محاولة واضحة من "محور المقاومة" لإثبات الحضور وفرض شروط القوة في اللحظات الأخيرة قبل دخول أي اتفاق حيز التنفيذ، حيث تسعى طهران وأطرافها الحليفة إلى إظهار الهدنة وكأنها جاءت بناءً على طلب إسرائيلي وأمريكي تحت ضغط الضربات الصاروخية المؤلمة.
دلالات التوقيت ومحاولات طهران للظهور بمظهر المنتصر
اعتبرت وسائل إعلام إسرائيلية رائدة أن إطلاق هذا العدد الهائل من الصواريخ في توقيت متزامن مع إعلان ترامب، ليس مجرد حادث عرضي، بل هو إشارة سياسية واضحة تهدف إيران من خلالها إلى إظهار نفسها كطرف رابح في هذه الحرب الطويلة، وترى الدوائر السياسية في تل أبيب أن القيادة الإيرانية أرادت من خلال "رشقات الوداع" -كما وصفها البعض- أن تغلق هذه الجولة من الصراع بصورة نصر معنوية، عبر دفع ملايين المستوطنين إلى الملاجئ في لحظة كان العالم ينتظر فيها الهدوء، وهذا التصرف يضع إدارة ترامب في موقف محرج، حيث يثير تساؤلات حول مدى قدرة واشنطن على إلزام الأطراف بالاتفاقات الشفهية أو المبدئية التي يتم الإعلان عنها عبر منصات التواصل الاجتماعي أو التصريحات الصحفية.
وختامًا، تظل الساعات القادمة حاسمة في تحديد مصير الهدنة المؤقتة، فبينما تحاول الدبلوماسية الدولية احتواء هذا التصعيد الميداني، يبقى الجيش الإسرائيلي في حالة تأهب قصوى للرد على مصادر النيران إذا ما استمر الخرق، إن المشهد في إسرائيل الليلة، بين أصوات الانفجارات وتصريحات التهدئة، يعكس واقعًا معقدًا حيث تتداخل الصواريخ مع المفاوضات، وحيث تظل الملاجئ هي الملاذ الأخير لمدنيين وجدوا أنفسهم بين مطرقة القرارات السياسية وسندان الرشقات الصاروخية العابرة للحدود، مما يضع مصداقية الاتفاق الأمريكي الإيراني على المحك أمام اختبار الميدان الحقيقي.
