"أبنائي الأعزاء شكرًا" و"ليالي الحلمية".. محطات رسمت ملامح عبقرية الفخراني الفنية
يحتفل الوسط الفني والثقافي في مصر والوطن العربي اليوم، السابع من أبريل لعام 2026، بعيد ميلاد النجم الكبير يحيى الفخراني، الذي يعد واحدًا من أبرز رموز القوى الناعمة وأيقونة الدراما التي لا تتكرر، وُلد الفخراني في مثل هذا اليوم من عام 1945، وبدأ رحلته العلمية بعيدًا عن صخب البلاتوهات، حيث حصل على بكالوريوس الطب والجراحة سنة 1971 من كلية الطب بجامعة عين شمس العريقة بالقاهرة، وخلال سنوات الدراسة كان عضوًا بارزًا وفاعلًا في فريق التمثيل بالكلية، حيث لفت الأنظار بموهبته الفذة وحصل على جائزة أحسن ممثل على مستوى الجامعات المصرية قاطبة، وبعد تخرجه مارس مهنة الطب لفترة قصيرة كممارس عام في صندوق الخدمات الطبية بمبنى التليفزيون المصري، وكان يخطط بجدية للتخصص في الأمراض النفسية والعصبية، معتبرًا الفن مجرد هواية يمارسها في أوقات الفراغ، إلا أن دائرة الاحتراف سرعان ما جذبته بقوة ليتحول من علاج الأجساد بالسماعة إلى علاج القلوب والنفوس بفيض إبداعه التمثيلي.
بدأ الفخراني مسيرته الاحترافية بمسلسل "الرجل والدخان" عام 1973، ولكن الانطلاقة الحقيقية التي جعلته يدخل كل بيت مصري كانت عام 1979 من خلال المسلسل الأيقوني "أبنائي الأعزاء شكرًا" في دور "بابا عبده"، وتوالت بعدها النجاحات الأسطورية التي شكلت وجدان المشاهد العربي، ولعل أبرزها شخصية "سليم البدري" في ملحمة "ليالي الحلمية" التي قدم من خلالها تطور الشخصية الأرستقراطية عبر أجيال مختلفة ببراعة منقطعة النظير، وامتدت نجاحاته لتشمل أعمالًا حفرت اسمها في التاريخ مثل "عباس الأبيض في اليوم الأسود"، و"سكة الهلالي"، و"شرف فتح الباب"، والعمل الكوميدي الاجتماعي الأشهر "يتربى في عزو" بشخصية "حمادة عزو"، وصولًا إلى التحفة الفنية "الخواجة عبد القادر" و"زيزينيا" و"جحا المصري"، ليقدم خلال مسيرته أكثر من 140 عملًا فنيًا تتنوع بين التراجيديا والكوميديا والفانتازيا التاريخية.
المسرح والسينما والسياسة
لم يتوقف إبداع يحيى الفخراني عند شاشة التليفزيون فحسب، بل امتدت سطوته الفنية لتشمل خشبة المسرح والسينما وفوازير رمضان أيضًا، ففي المسرح قدم واحدة من أعظم التجارب المسرحية في العصر الحديث وهي مسرحية "الملك لير" عام 2001، والتي استمر عرضها لسنوات طويلة محققة نجاحًا جماهيريًا ونقديًا مذهلًا، كما قدم "حضرات السادة العيال" عام 1988، وفي السينما ترك بصمات لا تُمحى في أفلام تعد من كلاسيكيات السينما المصرية مثل "إعدام ميت"، و"خرج ولم يعد"، و"الكيف" الذي ناقش قضية المخدرات بأسلوب فلسفي ساخر، وفيلم "حب في الزنزانة" و"أرض الأحلام" أمام سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، ولم تخلُ مسيرته من البهجة الرمضانية حيث شارك في فوازير "المناسبات" إلى جانب الفنانة صابرين والراحلة هالة فؤاد، مما أكد قدرته الفائقة على التلون وتقديم كافة القوالب الفنية بذكاء واقتدار لافت.
وفي أكتوبر من عام 2020، دخل يحيى الفخراني معتركًا جديدًا لخدمة وطنه، حيث عُيِّن نائبًا في مجلس الشيوخ المصري بقرار من الرئيس عبد الفتاح السيسي، لينوب مع الفنانة القديرة سميرة عبد العزيز عن الفن المصري تحت قبة البرلمان، وخلال تواجده في المجلس، حرص الفخراني على مناقشة قضايا الوعي والثقافة وحقوق الملكية الفكرية، مؤكدًا أن الفنان الحقيقي هو الذي يحمل هموم وطنه ويسعى لتطوير وعي شعبه من خلال تشريعات تحمي الإبداع، وهذا الدور السياسي لم يمنعه من الاستمرار في عطائه الفني، بل زاده وقارًا وتقديرًا في قلوب الجماهير التي ترى فيه "حكيم الفن" الذي يجمع بين الموهبة الفطرية والثقافة الواسعة والرؤية الوطنية الثاقبة، مما جعل من اسمه ضمانة للجودة والرقي في أي عمل يشارك فيه أو قضية يتبناها.
شريك الكفاح لميس جابر
خلف هذا النجاح الفني العظيم، تكمن قصة حب واستقرار عائلي نادرة في الوسط الفني، حيث تعرف يحيى الفخراني على زوجته الدكتورة لميس جابر خلال فترة دراستهما بكلية الطب، وبدأت علاقتهما بموقف شهير على مسرح الجامعة حينما غضب الفخراني من خطأ تقني في العرض، فتدخلت لميس لتهدئته ومن هنا بدأت شرارة الإعجاب التي توجت بالزواج، وتعمل الدكتورة لميس طبيبة نساء وولادة، ولكنها في الوقت ذاته كاتبة وسيناريست مبدعة بعيدة عن الأضواء الكثيفة، حيث قدمت أعمالًا تاريخية هامة مثل مسلسل "الملك فاروق"، وأنجب الثنائي ولديهما "شادي" الذي سلك طريق الإخراج السينمائي والتليفزيوني وأخرج لوالده عدة أعمال ناجحة، و"طارق" الذي يبتعد عن العمل الفني، ويحرص الفخراني دائمًا على التأكيد بأن زوجته هي "بوصلته" في الحياة وشريكته في كل قرار فني اتخذه.
ويحتفل الفخراني بعيد ميلاده اليوم وهو في أتم صحته وعطائه، محاطًا بحب أحفاده وعائلته وجمهوره الذي ينتظر منه دائمًا الجديد، إن مسيرة يحيى الفخراني هي نموذج ملهم لكل فنان يطمح للخلود، فهي مسيرة مبنية على الدراسة والثقافة واحترام عقل المشاهد والابتعاد عن الإسفاف، وفي عام 2026، يظل "يحيى الفخراني" هو الاسم الذي يجمع عليه المصريون بمختلف فئاتهم، فهو الذي أضحكهم في "حمادة عزو"، وأبكاهم في "الخواجة عبد القادر"، وعلمهم الانتماء في "ليالي الحلمية"، ليبقى عيد ميلاده مناسبة قومية للاحتفاء بالجمال والإبداع الذي قدمه هذا الطبيب الفنان على مدار أكثر من نصف قرن من الزمان، متمنين له دوام الصحة والعافية ليستمر في إثراء وجداننا بأعماله التي لا تشيخ أبدًا مع مرور الأيام.
