سيناريوهات المواجهة: كيف تخطط الولايات المتحدة لشل قدرات إيران عبر تدمير طاقتها وجسورها؟
كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، في تقرير استقصائي حديث نقلًا عن مسؤولين عسكريين حاليين وسابقين، أن إدارة الرئيس دونالد ترامب بدأت بالفعل في تبني توجه عملياتي وعسكري جديد يتسم بالهجومية المفرطة تجاه إيران، حيث وضعت واشنطن منشآت الطاقة والجسور الحيوية وشبكات البنية التحتية الأساسية ضمن قائمة "الأهداف المشروعة" لأي ضربات عسكرية محتملة في المستقبل القريب، ويأتي هذا التحول في العقيدة العسكرية ليعكس رغبة الإدارة الأمريكية في نقل الصراع من مربع العقوبات الاقتصادية والضغط الدبلوماسي إلى مربع الاستهداف الميداني المباشر الذي يمس عصب الدولة الإيرانية، مما يضع المنطقة بأسرها على فوهة بركان، خاصة مع تأكيد المسؤولين أن هذه القائمة تم تحديثها لتشمل مفاصل لوجستية كانت في السابق تُصنف ضمن المنشآت المدنية المحمية بموجب قواعد الاشتباك التقليدية، إلا أن الرؤية الجديدة لإدارة ترامب ترى في هذه المنشآت أدوات تدعم المجهود العسكري الإيراني بشكل غير مباشر.
مبررات استراتيجية الضغط الأقصى الميداني
وأوضحت الصحيفة في تقريرها أن كبار مساعدي الرئيس ترامب ومستشاري الأمن القومي قدموا خلال الأيام القليلة الماضية مبررات استراتيجية معقدة لاعتبار البنية التحتية الإيرانية أهدافًا عسكرية تكتيكية، وهو الطرح الذي تبناه الرئيس الأمريكي صراحة في خطاب متلفز أثار ضجة عالمية واسعة، حيث تعهد فيه بشن هجمات نوعية وصاعقة قد تعيد إيران إلى ما وصفه بـ "العصور الحجرية" في حال استمرار سياستها الحالية، وتهدف هذه الاستراتيجية الجريئة إلى ممارسة أقصى درجات الضغط الميداني الممكنة لتقويض قدرات الدولة الإيرانية الشاملة وإضعاف قبضتها اللوجستية، مما يجبرها في نهاية المطاف على الجلوس إلى طاولة المفاوضات وتقديم تنازلات كبرى تتعلق ببرنامجها النووي ونفوذها الإقليمي، ويرى مخططو السياسة في البيت الأبيض أن استهداف مفاصل الطاقة والجسور سيؤدي إلى شلل داخلي يمنع طهران من تمويل أو تحريك أذرعها العسكرية، مما يحقق أهداف واشنطن بأقل تكلفة بشرية ممكنة للقوات الأمريكية وبأقصى تأثير تدميري على قدرات الخصم.
الجدل القانوني والقيود الدولية على الضربات
من جانبهم، أثار خبراء القانون الدولي وتخصصو النزاعات المسلحة تساؤلات جوهرية وعميقة حول مشروعية هذه الخطوات التصعيدية ومدى مواءمتها مع المواثيق الدولية؛ حيث ينص القانون الدولي الإنساني بوضوح على أن استهداف البنية التحتية المدنية لا يُعد عملًا مشروعًا إذا كان الهدف الأساسي منه هو مجرد ممارسة الضغط السياسي أو إرسال رسائل دبلوماسية خشنة بين الدول، ويشترط القانون الدولي لتنفيذ ضربات من هذا النوع ضرورة إثبات تحقيق "ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة" من تدمير الهدف، مع ضرورة الالتزام الصارم بمبدأ التناسب لضمان عدم إلحاق أضرار مفرطة بالمدنيين أو البيئة المحيطة، والتأكد تمامًا من عدم توفر وسائل أخرى أقل تدميرًا أو ضررًا لتحقيق نفس الغرض العسكري المنشود، وهو ما يجعل القائمة الأمريكية الجديدة تحت مجهر الانتقاد الحقوقي الدولي، حيث يرى قانونيون أن تدمير الجسور والمنشآت الكهربائية سيتسبب في كوارث إنسانية تطال الملايين من المدنيين الإيرانيين، مما قد يرقى إلى مستوى جرائم الحرب في حال تنفيذها دون مسوغ عسكري قاهر.
تداعيات استهداف منشآت الطاقة والجسور
إن إدراج منشآت الطاقة والجسور الحيوية ضمن بنك الأهداف يعكس رغبة واشنطن في إحداث صدمة هيكلية في بنية الدولة الإيرانية، فالجسور ليست مجرد ممرات للمدنيين بل هي شرايين لوجستية لنقل المعدات العسكرية، ومنشآت الطاقة هي المحرك الأساسي للمصانع الحربية ومراكز القيادة والسيطرة، ومع ذلك، فإن تنفيذ مثل هذه التهديدات سيؤدي حتمًا إلى ردود فعل إقليمية غير محسوبة، حيث قد تلجأ طهران إلى استهداف منشآت مماثلة في الدول الحليفة لتمارس استراتيجية "الردع المتبادل"، ويرى مراقبون أن إدارة ترامب تحاول من خلال تسريب هذه المعلومات عبر "وول ستريت جورنال" اختبار ردود فعل المجتمع الدولي وقياس مدى تقبل القوى العظمى لهذا التحول العملياتي، وفي الوقت نفسه إرسال رسالة تحذيرية نهائية للقيادة في طهران بأن قواعد اللعبة قد تغيرت جذريًا، وأن الحصانة التي كانت تتمتع بها البنية التحتية المدنية في العقود الماضية قد انتهت في ظل العقيدة العسكرية الجديدة التي تتبناها الإدارة الأمريكية الحالية لعام 2026.
استراتيجية ترامب 2026 والتعامل مع الخصوم
تعكس هذه السياسة ملامح الولاية الثانية للرئيس ترامب، والتي تعتمد على مبدأ "السلام من خلال القوة المفرطة" والتلويح الدائم بالخيار العسكري الشامل، إن التركيز على الجسور الحيوية كأهداف مشروعة يشير إلى رغبة في تقطيع أوصال الجغرافيا الإيرانية وعزل المحافظات عن بعضها البعض في حال نشوب صراع مسلح، مما يسهل عملية السيطرة الجوية الأمريكية، ولكن التحدي الأكبر يظل في كيفية موازنة هذه الرغبة العسكرية مع الضغوط القانونية والأخلاقية الدولية، فالعالم اليوم في عام 2026 أصبح أكثر حساسية تجاه الاستهداف الممنهج للبنى التحتية التي تخدم المدنيين، وتصريحات ترامب حول "العصور الحجرية" قد تزيد من عزلة واشنطن الدبلوماسية إذا ما تحولت هذه التهديدات إلى واقع ميداني، ويبقى السؤال المطروح في أروقة مراكز الأبحاث: هل تنجح هذه الاستراتيجية في إركاع إيران، أم أنها ستكون الوقود الذي يشعل فتيل حرب إقليمية شاملة لا تبقي ولا تذر، وتدمر ما تبقى من استقرار في منطقة الشرق الأوسط المضطربة أصلًا؟.
