الموسيقى التصويرية والدراما.. كيف خلدت ألحان حسن أبو السعود ذاكرة السينما؟

حسن أبو السعود
حسن أبو السعود

شهدت الساحة الفنية مؤخرًا عودة لافتة وأكثر من رائعة لأغنية "والله ولعب الهوى"، الشهيرة بعبارة "هوم تيكا تيكا تيكا هوم هوم"، للفنان الكبير والقدير الراحل أحمد عدوية، والتي صاغ ألحانها بعبقرية شديدة الموسيقار الراحل حسن أبو السعود، حيث عادت الأغنية بقوة إلى واجهة اهتمام الجمهور مجددًا بعد سنوات طويلة من طرحها، وجاء هذا الإحياء الفني بعدما استخدمها مسلسل "هي كيميا" خلال عرضه في موسم دراما رمضان الماضي، الأغنية التي ارتبطت في أذهان المستمعين بإيقاعها الخفيف وكلماتها العالقة، تصدرت "الترند" وأصبحت تُردد على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة مثل "تيك توك" و"إنستجرام"، مدفوعة بحالة من الحنين والنوستالجيا التي خلقها العمل الدرامي في قلوب المشاهدين، مما أثار فضول الأجيال الجديدة للبحث عن تاريخ هذا اللحن الشعبي الفريد.

رنا أبو السعود توضح حقيقة "هوم تيكا تيكا هوم"

أمام هذا الرواج الكبير والنجاح المتجدد، لم تتمالك رنا أبو السعود، ابنة الملحن الراحل حسن أبو السعود، نفسها وخرجت لتوضح للجمهور حقائق غائبة عن كواليس صناعة هذا العمل، حيث تفاعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي مع مطلع الأغنية الذي يقول "هوم تيكا تيكا هوم" بكثافة شديدة، وأعادوا تقديمها من خلال مقاطع فيديو متنوعة، مما دفع رنا لنشر مقطع فيديو عبر حسابها الرسمي على "إنستجرام" أكدت من خلاله أن تلك المقدمة الشهيرة لم تكن بصوت الفنان أحمد عدوية كما يعتقد الكثيرون، بل هي بصوت والدها الراحل حسن أبو السعود نفسه، وأقسمت رنا في الفيديو قائلة: "ده صوت أبويا حسن أبو السعود الملحن، والجملة دي ملكه مش اختراع من عدوية"، في محاولة منها للحفاظ على حقوق والدها الفنية والأدبية وتوثيق بصمته الصوتية في هذا اللحن التاريخي.

حسن أبو السعود: عبقرية الأكورديون وصانع النجوم

بدأت رحلة الفنان حسن أبو السعود الفنية من خلال العزف المبدع على آلة الأكورديون، وهي الموهبة التي حققت له شهرة واسعة وجعلته واحدًا من أمهر العازفين في الوطن العربي، مما أهله لاحقًا لوضع ألحان لكبار المطربين، ولم تتوقف طموحاته عند التلحين فقط، بل ألف المقطوعة الموسيقية الأشهر في عالم الرقص الشرقي "شيك شاك شوك"، والتي صدرت في ألبوم يحمل نفس الاسم وجمع به عدة مقطوعات موسيقية أصبحت مرجعًا لهذا الفن، وتعاون أبو السعود خلال مشواره الطويل مع أغلب مطربي القمة مثل إيهاب توفيق، ومحمد منير، وهاني شاكر، وخالد عجاج، وسميرة سعيد، وحسن الأسمر، كما كان له دور محوري في اكتشاف ومساعدة أصوات شابة أصبحت نجومًا لاحقًا مثل بهاء سلطان وحمادة هلال، حيث تميزت ألحانه دومًا بميلها للموسيقى الشرقية الأصيلة التي تلمس الوجدان.

بصمته في الموسيقى التصويرية للسينما المصرية

امتلك حسن أبو السعود موهبة استثنائية جعلته يتفوق في تقديم الموسيقى التصويرية لعدد ضخم من الأفلام السينمائية التي أصبحت من كلاسيكيات السينما، وكانت موسيقاه دومًا تعبر بصدق شديد عن الحالة الدرامية التي تدور في الأحداث، فمن ينسى موسيقى فيلم "العار" التي كانت بطلًا موازيًا للأحداث، أو موسيقى "حنفي الأبهة" و"المتسل"، كما وضع بصمته في أفلام "علي بيه مظهر" و"البيضة والحجر" و"سلام يا صاحبي" و"الكيف" و"حد السيف"، فكانت ألحانه تمتلك القدرة على توصيل الرسالة النفسية للمشهد قبل أن ينطق الممثلون بكلماتهم، مما جعله الملحن المفضل لمخرجي الواقعية والكوميديا السوداء في الثمانينيات والتسعينيات، نظرًا لقدرته على مزج الشجن الشعبي بالإيقاعات العصرية المبهجة في آن واحد.

رسائل الحنين وتأثير الدراما على إحياء التراث

يؤكد النجاح الطاغي لأغنية "والله ولعب الهوى" في عام 2026 أن الفن الحقيقي لا يموت بمرور الزمن، بل ينتظر اللحظة المناسبة ليعيد اكتشاف نفسه، وقد لعب مسلسل "هي كيميا" دورًا حيويًا في ربط جيل "زد" بجيل العمالقة من خلال استخدامه الذكي للموسيقى التصويرية والأغاني القديمة، إن حالة "هوم تيكا تيكا" التي اجتاحت "تيك توك" ليست مجرد "ترند" عابر، بل هي اعتراف ضمني بعبقرية حسن أبو السعود الذي استطاع ابتكار جملة لحنية إيقاعية تعيش لعقود، وتصريحات ابنته رنا جاءت لتضيف بُعدًا إنسانيًا وتاريخيًا لهذا النجاح، مؤكدة أن الملحن ليس مجرد صانع نغمات، بل هو روح العمل وصوته الخفي الذي قد يظهر في لحظة مفصلية ليعلن عن هويته الأصلية، ليظل اسم حسن أبو السعود محفورًا في ذاكرة الأغنية الشعبية كأحد أهم أعمدتها.

إرث أبو السعود ومستقبل الأغنية الشعبية

في نهاية المطاف، يبقى الجدل حول "والله ولعب الهوى" دليلًا على حيوية التراث الموسيقي المصري، فرحيل حسن أبو السعود لم يغيب أثره، بل جعل ألحانه تتحدث عنه في كل مناسبة، إن دفاع رنا أبو السعود عن صوت والدها في الأغنية هو رسالة لكل المهتمين بالشأن الفني بضرورة توثيق وحماية الملكية الفكرية، فخلف كل جملة موسيقية بسيطة قد تثير الضحك أو البهجة، سنوات من الخبرة والتعب في استديوهات التسجيل، ومع استمرار رواج الأغنية، يتضح أن الجمهور لا يزال متعطشًا للأصالة الممزوجة بالبساطة، وهو السر الذي امتلكه حسن أبو السعود في ألحانه، وجعل أحمد عدوية يتربع على عرش الأغنية الشعبية لسنوات طويلة، ليظل الثنائي "عدوية وأبو السعود" مدرسة فنية تدرس في كيفية صناعة "الهيت" الغنائي الذي لا يشيخ أبدًا.