وداعًا فاطمة كشري.. صاحبة الابتكار التلقائي والأداء العفوي التي أحبها الجمهور
خيمت حالة من الحزن الشديد على الوسط الفني والجمهور المصري عقب إعلان رحيل الفنانة فاطمة كشري مساء أمس، بعد صراع مرير مع المرض أبعدها عن الأضواء في فتراتها الأخيرة، ومن المقرر أن تشيع جنازة الفنانة الراحلة اليوم الإثنين 30 مارس 2026، عقب أداء صلاة الظهر من مسجد الشهداء المتواجد بميدان أحمد حلمي في منطقة شبرا مصر.
حيث يوارى جثمانها الثرى في مدافن الأسرة، وتعتبر فاطمة كشري واحدة من الوجوه التي ألفتها عين المشاهد المصري والعربي، حيث استطاعت عبر سنوات طوال أن تحجز لنفسها مكانًا فريدًا في قلوب الجماهير بفضل تلقائيتها المفرطة وخفة ظلها الطبيعية التي جعلتها "تميمة حظ" لكبار نجوم الكوميديا في مصر، الذين تسابقوا للاستعانة بها في أعمالهم لإضفاء لمحة من الروح الشعبية المصرية الأصيلة على الشاشة.
بداية سينمائية من وحي الصدفة
لم تكن فاطمة كشري تخطط لاحتراف الفن أو دخول عالم الأضواء، بل جاءت بدايتها من وحي الصدفة البحتة التي غيرت مجرى حياتها تمامًا، فبينما كانت تسير في أحد شوارع القاهرة لشراء بعض المستلزمات المنزلية، تصادف وجود طاقم تصوير لأحد الأعمال الفنية، وبجرأة ابنة البلد المصرية، توجهت إلى القائمين على العمل وطلبت المشاركة معهم ككومبارس.
ومن هنا كانت الانطلاقة الحقيقية حيث سجلت أول ظهور رسمي لها على شاشة السينما في فيلم "صراع الأحفاد" عام 1981، ومن ثم شاركت في الفيلم الملحمي "كتيبة الإعدام"، لتتوالى بعدها العروض وتثبت أن الموهبة لا تقاس بمساحة الدور، بل بالأثر الذي تتركه في وجدان المشاهد، وهو ما نجحت فيه ببراعة لتصبح لاحقًا الأكثر شهرة وطلبًا في عالم الأدوار الثانوية والكومبارس.
محطات فنية بين السينما والمسرح والدراما
لم يقتصر إبداع الراحلة فاطمة كشري على السينما فقط، بل امتدت بصمتها لتشمل خشبة المسرح والدراما التليفزيونية، ففي عام 1982 شاركت في المسرحية الكويتية الشهيرة "أزمة وتعدي"، مما عكس قدرتها على التلون وتقديم الأداء الكوميدي في سياقات مختلفة، وفي عام 1989 سجلت حضورًا مميزًا في مسلسل "دهب قشرة"، لتبدأ بعدها رحلة "الاقتحام الدرامي" الفعلي في مطلع الألفية الجديدة وتحديدًا عام 2001، حيث شاركت في عشرات الأعمال التي تنوعت موضوعاتها.
ومن أبرز البصمات التي تركتها الراحلة مشاركتها في مسرحية "كده أوكيه" التي حققت نجاحًا ساحقًا، وفيلم "شيكامارا" مع الفنانة مي عز الدين، وفيلم "أحلى الأوقات" الذي جسدت فيه روح الحارة المصرية ببساطة متناهية، لتظل أعمالها شاهدة على فنانة من طراز خاص أحبت الفن فأحبها الناس.
المرض والرحيل وبقاء الأثر
عانت الفنانة فاطمة كشري في سنواتها الأخيرة من أزمات صحية متلاحقة استلزمت دخولها المستشفى أكثر من مرة، وظلت صابرة ومحتسبة رغم آلام المرض التي غيبت جسدها لكنها لم تغيب ضحكتها عن ذاكرة محبيها، وبرحيلها تفقد السينما المصرية واحدة من أهم الوجوه "الخدمية" للأعمال الفنية، التي كانت تمنح المشهد مصداقية واقعية بفضل ملامحها المصرية السمراء وأسلوبها العفوي في الحديث.
وسوف يظل اسم فاطمة كشري محفورًا كنموذج للإخلاص في العمل الفني مهما صغر حجم الدور، حيث أثبتت أن الفنان الحقيقي هو من يستطيع إضحاك الناس بكلمة أو نظرة عابرة، وسيشيعها اليوم المئات من جيرانها في حي شبرا وزملائها في الوسط الفني الذين قدروا فيها الوفاء والجدعنة المصرية طوال مسيرة امتدت لأكثر من أربعة عقود.
