نبيل فهمي.. خبرة دبلوماسية ثقيلة تقود الجامعة العربية في زمن التحولات
يمثل تعيين نبيل فهمي أمينًا عامًا لـجامعة الدول العربية خطوة لافتة في مسار العمل العربي المشترك، تعكس اتجاهًا نحو الاستعانة بخبرات دبلوماسية راسخة قادرة على التعامل مع بيئة إقليمية معقدة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية.
ينحدر فهمي من بيت دبلوماسي عريق؛ فهو نجل إسماعيل فهمي، الذي كان أحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية المصرية في سبعينيات القرن الماضي. هذا الإرث لم يكن مجرد خلفية عائلية، بل شكّل مدخلًا مبكرًا لفهم طبيعة العلاقات الدولية وتعقيداتها، وهو ما انعكس لاحقًا على مسيرته المهنية التي اتسمت بالاتزان والقدرة على إدارة الملفات الحساسة.
على الصعيد العملي، تدرج فهمي في المناصب الدبلوماسية حتى وصل إلى واحدة من أهم المحطات في مسيرته، وهي منصب سفير مصر لدى الولايات المتحدة، حيث أدار واحدة من أكثر العلاقات الاستراتيجية تعقيدًا في المنطقة. خلال هذه الفترة، تعامل مع ملفات تتعلق بالأمن الإقليمي، والتعاون العسكري، والتحولات السياسية في الشرق الأوسط، ما أكسبه خبرة عميقة في التفاوض وبناء التفاهمات.
وفي مرحلة مفصلية من تاريخ مصر، تولى حقيبة وزارة الخارجية، ليجد نفسه في قلب تحولات داخلية وإقليمية كبرى. أدار السياسة الخارجية المصرية في توقيت دقيق، سعى خلاله إلى إعادة التوازن للعلاقات الدولية، وتعزيز حضور مصر في محيطها العربي والدولي، مع الحفاظ على استقلالية القرار السياسي.
إلى جانب مسيرته الدبلوماسية، يتمتع فهمي بثقل أكاديمي واضح، من خلال عمله أستاذًا في الجامعة الأمريكية في القاهرة، حيث أسهم في تدريس العلاقات الدولية ونقل خبراته العملية إلى الأجيال الجديدة. كما عُرف بكتاباته وتحليلاته التي تناولت قضايا الأمن الإقليمي، ونزع السلاح، ومستقبل النظام الدولي، ما عزز حضوره كصوت فكري إلى جانب دوره التنفيذي.
ويأتي توليه قيادة الجامعة العربية في مرحلة تُعد من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ المنطقة، حيث تتشابك الأزمات الممتدة في عدد من الدول العربية، مع تحديات تتعلق بالأمن القومي العربي، والتدخلات الإقليمية، والتحولات في موازين القوى الدولية. كما تبرز ملفات الاقتصاد والتنمية والتكامل الإقليمي كأولويات لا تقل أهمية عن القضايا السياسية التقليدية.
ويُتوقع أن يركز فهمي على إعادة تفعيل دور الجامعة كمنصة للتنسيق الفعّال بين الدول الأعضاء، وليس مجرد إطار بروتوكولي، عبر الدفع نحو آليات أكثر مرونة في اتخاذ القرار، وتعزيز العمل الجماعي في مواجهة التحديات المشتركة. كما قد يسعى إلى توسيع دائرة التأثير العربي في القضايا الدولية، من خلال تبني مقاربات أكثر توازنًا وواقعية.
ويرى متابعون أن ما يميز فهمي هو قدرته على الجمع بين المدرسة الدبلوماسية الكلاسيكية، التي تقوم على التدرج وبناء التوافقات، وبين فهم حديث لطبيعة التحديات، خاصة في ظل تصاعد دور الفاعلين غير الحكوميين، وتزايد تأثير الإعلام والفضاء الرقمي في تشكيل السياسات.
في المحصلة، لا يأتي نبيل فهمي إلى هذا المنصب بوصفه إداريًا تقليديًا، بل كدبلوماسي مخضرم يحمل رؤية متكاملة لدور العمل العربي المشترك. وبين إرثٍ دبلوماسي عريق، وتجربة عملية ممتدة، وتحديات إقليمية ضاغطة، تبدأ مرحلة جديدة للجامعة العربية، عنوانها البحث عن فاعلية أكبر في عالم سريع التغير.
