نجاة الصغيرة تتصدى لحملات التزييف وتوضح حقيقة صورتها الأخيرة

نجاة الصغيرة
نجاة الصغيرة

حرصت الفنانة الكبيرة والقديرة نجاة الصغيرة على الخروج عن صمتها لتوضيح مدى صحة الصورة المنسوبة لها، والتي انتشرت كالنار في الهشيم على مختلف منصات التواصل الاجتماعي مؤخرًا، زاعمة أنها تمثل أحدث ظهور لها بعد غياب طويل، وجاء نفي نجاة الصغيرة القاطع من خلال اتصال هاتفي رسمي مع الكاتب أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، والذي نقل مضمون رسالتها عبر برنامج "صباح الخير يا مصر" بالتليفزيون المصري، حيث أكدت قيثارة الغناء العربي أن الصورة المتداولة على نطاق واسع هي صورة مزيفة بالكامل وليست حقيقية، مشيرة إلى استيائها من استخدام ملامحها في سياقات غير صحيحة تهدف إلى تضليل الرأي العام، وأوضح البرنامج الرسمي أن هذه الصورة تم تخليقها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة، معتبرًا أنه من المؤسف جدًا أن يتم نشر مثل هذه المواد المفبركة دون أي تدقيق أو مراجعة مهنية، أو حتى تكبد عناء مقارنتها بالصور الحقيقية الحديثة للفنانة، خاصة وأن الهدف الأساسي من وراء هذه الأفعال غالبًا ما يكون السعي وراء الشهرة وجذب الانتباه وصناعة "التريند" على حساب الرموز الوطنية الكبيرة.

أشار البرنامج في تقريره المفصل إلى أن السعي وراء التفاعل الرقمي أدى ببعض الجهات إلى نشر معلومات مغلوطة لا سند لها من الصحة عن تاريخ الفنانة نجاة الصغيرة الشخصي والفني، وهو ما يعد انتهاكًا لمسيرتها العريقة التي بدأت منذ أربعينيات القرن الماضي، وأكدت الهيئة الوطنية للإعلام أن أحدث ظهور حقيقي وموثق للفنانة الكبيرة كان في شهر نوفمبر الماضي، وذلك أثناء زيارتها التاريخية والمهمة إلى أوبرا العاصمة الإدارية الجديدة ومقر الهيئة الوطنية للإعلام، حيث شملت الزيارة جولة بمدينة الثقافة والفنون والمسرح الكبير، والتقت خلالها بالمهندس خالد عباس رئيس شركة العاصمة واللواء دكتور أسامة عبد العزيز مدير مدينة الثقافة، وكان هذا الظهور بمثابة استعادة للحنين والشجن لطلة غابت طويلًا عن الأضواء لكنها لم تغب أبدًا عن قلوب الملايين، إذ برهنت نجاة من خلال تلك الزيارة على اهتمامها بمتابعة النهضة الثقافية والعمرانية التي تشهدها مصر في عهدها الجديد، بعيدًا عن الممارسات غير الأخلاقية التي ينتهجها البعض عبر تزييف الصور الرقمية.

مسيرة نجاة الصغيرة الفنية من الطفولة حتى التكريم في الرياض

ولدت نجاة محمد كمال حسني البابا، المعروفة فنيًا بلقب نجاة الصغيرة، في الحادي عشر من أغسطس عام 1938 بالقاهرة لأسرة دمشقية الأصل، ونشأت في بيت فني عريق عُرف بـ "بيت الفنانين"، فوالدها هو الخطاط الشهير محمد كمال حسني، وشقيقتها هي السندريلا سعاد حسني، وشقيقها هو الملحن عز الدين حسني، بدأت نجاة مسيرتها الفنية في سن الخامسة، ولفتت الأنظار بشدة بجمال صوتها وقدرتها على تقليد كبار المطربين وفي مقدمتهم كوكب الشرق أم كلثوم، وهو ما دفع الكاتب فكري أباظة للمطالبة برعايتها رسميًا، وانطلقت نجاة في عالم الاحتراف الفني بالتعاون مع كبار الملحنين مثل محمد عبد الوهاب الذي وصفها بـ "صاحبة السكون الصاخب"، وكمال الطويل وبليغ حمدي، كما شكلت ثنائيًا ناجحًا مع الشاعر نزار قباني الذي اعتبرها أفضل من غنى قصائده وعبر عنها، وعلى مدار 30 عامًا، قدمت نجاة 13 فيلمًا سينمائيًا من كلاسيكيات السينما المصرية مثل "الشموع السوداء" و"شاطئ المرح" و"ابنتي العزيزة"، قبل أن تعتزل السينما في عام 1976 وتتفرغ للغناء والحفلات المسرحية التي استمرت فيها حتى عام 2002.

رغم اعتزالها الطويل، عادت نجاة الصغيرة لتطل على جمهورها في بدايات عام 2017 من خلال أغنية "كل الكلام" من كلمات الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي، لكن الظهور الأبرز والأكثر تأثيرًا كان في حفل جوائز "جوي أووردز" (Joy Awards) بمدينة الرياض في 20 يناير 2024، حيث تم تكريمها عن مسيرتها الأسطورية وسط احتفاء عالمي وعربي مهيب، وأدت نجاة في ذلك الحفل مقطعًا من أغنيتها الشهيرة "عيون القلب"، مما أثار موجة عارمة من الحنين لدى الجمهور، وتعد نجاة حاليًا آخر من بقي على قيد الحياة من المطربين العمالقة الذين شاركوا في نشيد "الوطن الأكبر"، وآخر من تغنى بألحان الشيخ زكريا أحمد، وهو ما يجعل الحفاظ على صورتها وتاريخها من التشويه أو التزييف ضرورة وطنية وفنية قصوى، خاصة وأنها تعيش حاليًا حياة هادئة في القاهرة، وتعتز بقرارها بتكريس حياتها لتربية ابنها الوحيد "وليد" منذ انفصالها عن زوجها الثاني المخرج حسام الدين مصطفى في الستينيات.

حقيقة "بيت الفنانين" والتحديات الصحية في حياة نجاة

تعد حياة نجاة الصغيرة الشخصية مليئة بالتفاصيل التي تعكس عمق جذورها الفنية، فقد نشأت وسط ثمانية أشقاء وشقيقات من أمها وأبيها، بالإضافة إلى ثلاث أخوات من والدها وزوجته الثانية، ومنهن الفنانة سعاد حسني، وتم تصحيح الكثير من المعلومات المغلوطة حول عدد أشقائها مؤخرًا، حيث أكدت المصادر التاريخية أنها واحدة من ثمانية أشقاء من أمها (أربعة أولاد وأربع بنات)، وقد تلقت تعليمها الموسيقي الأول على يد شقيقها عز الدين، مما جعلها تمتلك أذنًا موسيقية واعية في اختيار ألحانها وكلمات قصائدها، ورغم شائعات المرض التي تلاحقها بين الحين والآخر، إلا أن نجاة ما زالت تحتفظ بحيويتها وتواصلها المحدود مع الأصدقاء المقربين، مع سفرها أحيانًا إلى لندن أو ألمانيا لتلقي فحوصات طبية روتينية كما حدث في عامي 2010 و2014، وتظل نجاة الصغيرة رمزًا للرقي والالتزام الفني، رافضة كافة العروض المادية المغرية للمشاركة في أعمال درامية عن قصة حياة شقيقتها سعاد حسني، مفضلة البقاء في ذاكرة الجمهور كفنانة قدمت الفن من أجل الفن فقط.

إن الهجوم الأخير بالصور المزيفة لا يستهدف نجاة الشخص، بل يستهدف القيمة الفنية التي تمثلها، وهو ما دفع الهيئة الوطنية للإعلام للتحرك السريع لتصحيح المسار، وتؤكد نجاة دائمًا في لقاءاتها القليلة المسجلة أنها كانت شديدة الدقة في عملها لدرجة "الوسوسة"، وهذا الحرص هو ما جعل أعمالها تعيش لعقود طويلة وتتجاوز حدود الزمن، ومع بلوغها سن السادسة والثمانين، تظل نجاة الصغيرة مدرسة في الأداء الغنائي الرفيع الذي يجمع بين البساطة والأناقة، وهو ما أكده الموسيقار محمد عبد الوهاب بقوله إن ألحانه تكون أكثر أمانًا بصوت نجاة، ومع نهاية عام 2025 وبداية 2026، يبقى اسم نجاة الصغيرة مرادفًا للجمال الصافي والصدق الفني، محذرة جمهورها من الانسياق وراء الأكاذيب الرقمية التي يحاول البعض من خلالها طمس الحقيقة وتشويه الملامح الحقيقية لرموز الفن العربي الجميل التي ستبقى خالدة في الوجدان مهما طال الغياب أو تعددت محاولات التزييف الإلكتروني.