رسائل الرئيس السيسي والخطيب في صلاة العيد: العمل والإيجابية هما مسار الازدهار

بحضور الرئيس السيسي
بحضور الرئيس السيسي

شهد مسجد "الفتاح العليم" بالعاصمة الإدارية الجديدة صلاة عيد الفطر المبارك لعام 2026 بحضور السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي وكبار رجال الدولة، حيث ألقى خطيب العيد خطبة جامعة ركزت على المعاني السامية التي حملها شهر رمضان المبارك والانتقال الإيماني نحو بهجة العيد، وأكد الخطيب في مستهل حديثه أن شهر رمضان قد مضى بأيامه العامرة بالصيام ولياليه المضيئة بالذكر والتلاوة والقيام، لتبزغ شمس عيد الفطر حاملةً معاني البهجة والنور والفرح للمسلمين كافة، مشيرًا إلى أن هذا العيد يأتي مكافأة ربانية بعد موسم إيماني عظيم اجتهد فيه العباد بالتقرب إلى الله عز وجل، وشدد الخطيب على أن رمضان لم يكن مجرد وقت مضى، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة تركت في نفوس الصائمين دروسًا لا تُحصى، حيث ختم المسلمون شهرهم بالدعاء والابتهال والانكسار بين يدي الخالق، متضرعين بنداء "اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفُ عنا"، في تعبير بليغ عن روح التوبة والرجاء التي صبغت أيام الشهر الفضيل وجعلت من قلوب المؤمنين محلًا لتجليات الرحمة والمغفرة الإلهية.

واستفاض الخطيب في شرح قيمة العفو باعتبارها محورًا أساسيًا لا تكتمل ثمرة الإيمان إلا بالتخلق بها، موضحًا أن "العفو" ليس مجرد كلمة تقال، بل هو اسم من أسماء الله الحسنى وصفة من صفاته العلى التي يجب أن تنعكس في سلوك الإنسان وتعامله مع الآخرين، وأشار إلى أن التعلق بالله عز وجل يقتضي من المسلم أن يتشبه بصفات الكرم والصفح، داعيًا جموع المسلمين إلى التحلي بالرحمة والتسامح في حياتهم اليومية، واستشهد الخطيب بقوله تعالى: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ»، مؤكدًا أن هذه الآية تمثل القاعدة الأخلاقية الذهبية لبناء مجتمع متماسك وقوي، فالعفو عند المقدرة هو من أعظم خصال النبلاء وأكرم شيم العظماء، ومن خلاله يستطيع الإنسان أن يتجاوز صغائر الأمور ويركز على مقاصد الاستخلاف في الأرض، مشددًا على أن المجتمع الذي يسوده التسامح هو مجتمع عصي على الانكسار وأقدر على مواجهة التحديات بقلب واحد وإرادة صلبة تستلهم من منهج الأنبياء والصالحين طريقها نحو المستقبل.

التسامح كمنهج حياة ودور القيم في نهضة الأمم

وأكد خطيب عيد الفطر بمسجد الفتاح العليم أن عباد الرحمن يتميزون بصفات الحلم والتواضع والإعراض عن الجاهلين، مستشهدًا بقوله تعالى: «وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا»، وفي هذا السياق، وجه الخطيب رسالة مباشرة بضرورة عدم الانشغال بالصراعات الجانبية أو الإساءات المتبادلة التي تستنزف طاقة الفرد والمجتمع، بل يجب التركيز الكامل على العمل والبناء والارتقاء بالوطن، وأوضح أن الانشغال بالجهل والخصومات يعطل مسيرة الإنسان نحو النجاح والقرب من الله، مؤكدًا أن الرسالة الحقيقية للعيد هي الانطلاق نحو الازدهار والعمران والعمل الإيجابي المثمر، واستلهم الخطيب قصة السيد المسيح عليه السلام حين قابل الإساءة بالإحسان، ليعيد التأكيد على أن كل إنسان إنما ينضح بما فيه، وأن المؤمن القوي هو الذي يعكس ما يحمله داخله من قيم سامية وأخلاق رفيعة، تجعله يبني حيث يهدم الآخرون، ويصلح حيث يفسدون، مؤكدًا أن هذا المنهج هو السبيل الوحيد لنهضة الأمم واستقرار المجتمعات في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر.

وشددت الخطبة على أن بناء الإنسان يبدأ من تنقية القلب من الضغائن والأحقاد، لأن القلب العامر بالحب والعفو هو المحرك الأساسي لكل فعل خير، وأشار الخطيب إلى أن الدولة المصرية في عهدها الجديد تتبنى قيم البناء والعمران كمنهج عمل، وهو ما يتسق مع مقاصد الشريعة الإسلامية التي دعت إلى عمارة الأرض ونشر السلام، وأوضح أن التسامح لا يعني الضعف، بل هو قمة القوة والانتصار على النفس الأمارة بالسوء، داعيًا الشباب إلى الاقتداء بسير الأنبياء الذين واجهوا الصعاب بالصبر والصفح الجميل، مما مكنهم من تغيير مجرى التاريخ وإرساء قواعد العدل والرحمة، كما لفت الخطيب إلى أن العيد هو فرصة لصلة الأرحام وتجديد العهد مع الله على الاستمرار في طاعته والتمسك بمكارم الأخلاق التي اكتسبها المسلم في مدرسة رمضان، ليكون العيد بداية حقيقية لتحول إيجابي يلمسه الفرد في أسرته وعمله ومحيطه الاجتماعي، بما يساهم في تعزيز السلم المجتمعي ونشر روح المودة بين أبناء الوطن الواحد.

رسالة العيد: البناء والازدهار وصناعة المستقبل

واختتم الخطيب خطبته بالتأكيد على أن مصر قيادةً وشعبًا تسير في طريق البناء والتعمير، مستلهمةً من قيم الأديان السماوية الدفعة القوية للعمل والإنتاج، ودعا الله عز وجل أن يحفظ مصر وقائدها وجيشها وأهلها من كل سوء، وأن يديم عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار، وأشار إلى أن التواجد في مسجد الفتاح العليم، هذا الصرح المعماري العظيم، هو دليل عملي على قدرة المصريين على الإنجاز وتحويل الرؤى إلى واقع ملموس، مكررًا دعوته للجميع بأن يكون العيد انطلاقة جديدة نحو مزيد من العمل والاجتهاد، والبعد عن كل ما يفرق الصف أو يشتت الجهود، مؤكدًا أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وأن التمسك بالقيم الأخلاقية هو الضمانة الحقيقية لاستمرار مسيرة الازدهار والتقدم، وقد لاقت الخطبة صدى واسعًا بين الحضور والمتابعين لما حملته من رسائل طمأنة ودعوة صريحة للتصالح مع النفس والآخرين، والتركيز على الغايات النبيلة التي ترفع من شأن الإنسان وتسمو بالمجتمع نحو آفاق أرحب من التنمية والرخاء.