هل تكبيرات المصريين "بدعة"؟ الإفتاء تحسم الجدل وتؤكد شرعية الصيغة المشهورة
تُعد الأعياد في جوهرها سنة فطرية جُبل الناس على اتخاذها منذ قديم الأزل، حيث كان البشر يخصصون أيامًا محددة للاجتماع وإظهار الفرح وإحياء ذكرى مناسبات كبرى كأيام النصر أو الميلاد، وكان لكل أمة أيام معلومة تعلن فيها سرورها وتُسري عن نفسها ما يصيبها من رهق الحياة وعنتها، وعلى هذه السنة وجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأنصار في المدينة بعد هجرته إليها يلعبون في يومين ورثوهما عن الجاهلية، فلم ينكر صلى الله عليه وسلم أصل فكرة الاحتفال، بل أباح اتخاذ العيد تحصيلًا لمزاياه القومية والاجتماعية والدينية، ولكنه بوعيه النبوي استبدل بيومي الجاهلية يومين آخرين مرتبطين بشعيرتين من أعظم شعائر الإسلام وهما يوما الفطر والأضحى، ليربط الفرح بطاعة الله عز وجل، ويجعل من التكبير شعارًا لهذه الفرحة التي تغمر قلوب المؤمنين بعد إتمام الصيام أو الحج.
حكم التكبير ومشروعيته
اتفق جمهور الفقهاء على أن التكبير في العيدين سنة مؤكدة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استدل العلماء على مشروعية تكبير عيد الفطر بقوله تعالى في آيات الصيام: ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ علَى مَا هَدَاكُمْ﴾، حيث حُمل التكبير في الآية الكريمة على ما يكون عند إكمال عدة شهر رمضان المبارك، ونقل الإمام الشافعي رضي الله عنه عن بعض علماء القرآن أن المراد بالعدة هنا هي عدة الصوم، وبالتكبير ما يكون عند الإكمال، كما ثبتت مشروعية التكبير في الأضحى قياسًا على الفطر وللنصوص الواردة في ذكر الله في الأيام المعدودات والمعلومات، ويعد التكبير في عيد الفطر آكدًا للنص الصريح عليه في القرآن الكريم، وهو تعبير عن الامتنان لله تعالى الذي وفق العباد لإتمام فريضة الصيام، وإعلان لتوحيد الله وتعظيمه في هذه المناسبة الجليلة التي تجمع المسلمين على كلمة واحدة.
صيغة التكبير بين السنة والعرف
أوضحت دار الإفتاء المصرية أن السنة المطهرة لم يرد فيها نص صريح يقيد المسلمين بصيغة معينة للتكبير، مما يجعل الأمر فيه سعة للمسلمين، والصيغة المشهورة التي درج عليها المصريون منذ قرون طويلة هي صيغة شرعية وصحيحة تمامًا، وتبدأ بـ "الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله.." وصولًا إلى الصلاة على النبي وآله وأصحابه وأنصاره وأزواجه وذريته، وأكدت الفتوى أن من يدعي بأن هذه الصيغة مبتدعة فهو إلى البدعة أقرب، لأنه حجر واسعًا وضيق ما وسعه الله ورسوله وقيد المطلق بلا دليل شرعي، ويسعنا في ذلك ما وسع سلفنا الصالح من استحسان هذه الصيغ وقبولها لِما فيها من تعظيم لله وصلة بالنبي الكريم، وجريان عادة الناس عليها بما يوافق أصول الشرع ولا يخالفه، لذا فإن النهي عن هذه الصيغة غير صحيح ولا ينبغي الالتفات إليه.
وقت التكبير وكيفيته
يبدأ وقت تكبير عيد الفطر من وقت رؤية هلال شوال أو غروب شمس آخر يوم من رمضان، ويستمر حتى يدخل الإمام في صلاة العيد، ويجوز أن يكون التكبير في جماعة أو فرادى، وإن كان التكبير في جماعة أفضل لِما فيه من إظهار لشعائر الإسلام وبث لروح الوحدة والبهجة في المجتمع، ويستحب للمسلم أن يجهر بالتكبير في المساجد والبيوت والأسواق تعظيمًا لله وشكرًا له، أما في عيد الأضحى فيبدأ التكبير المقيد عقب الصلوات من فجر يوم عرفة وينتهي بعصر آخر أيام التشريق، وهذا التنوع في التوقيتات يعكس حرص الشريعة على ربط المسلم بالذكر في كل أوقات الفضل، ليكون لسانه رطبًا بذكر الله وهو ينتقل من طاعة إلى أخرى، ومن صيام إلى فطر، ومن نسك إلى عيد، محققًا بذلك الغاية الأسمى من الخلق وهي عبادة الله وحده لا شريك له.
إحياء ليلة العيد بالعبادة
لا تقتصر سنن العيد على التكبير واللباس الجديد فحسب، بل يسن للمسلم إحياء ليلة العيد بالعبادة من ذكر وصلاة ودعاء، استنادًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من قام ليلتي العيدين لله محتسبًا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب"، ويحصل إحياء هذه الليلة بالبقاء مستيقظًا في طاعة الله معظم الليل، أو حتى بساعة منه كما ذهب بعض الفقهاء، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الإحياء يحصل بصلاة العشاء في جماعة، والعزم على صلاة الصبح في جماعة، والإكثار من الدعاء بينهما، وتعد ليلة العيد فرصة ذهبية للمؤمن ليختم شهره بأفضل الأعمال، حيث تُوزع في هذه الليلة الجوائز على الصائمين، فمن قضاها في الغفلة فاته خير كثير، ومن قضاها في التكبير والقيام دخل يوم العيد بقلب حي ومستبشر بنور الله ورحمته التي وسعت كل شيء.
الأثر الاجتماعي لتكبيرات العيد
تمثل تكبيرات العيد في المدن والقرى المصرية حالة فريدة من التلاحم الاجتماعي، حيث تتردد الأصوات في مآذن المساجد وتتعالى في البيوت، مما يضفي صبغة قدسية على فرحة العيد، وهذا النداء الرباني "الله أكبر" يذكر الناس بأن الله أعظم من كل هموم الدنيا ومشاغلها، ويدعوهم للتسامح والتصالح وترك الخلافات وراء ظهورهم، فالتكبير هو بمثابة "النشيد الوطني" للمسلمين الذي يوحدهم باختلاف ألوانهم وأجناسهم، ويغرس في نفوس الأطفال حب الدين والتعلق بشعائره، ومع شروق شمس يوم العيد وتوجه الناس للمصليات بملابسهم النظيفة وقلوبهم العامرة بالتكبير، تكتمل صورة العيد الإيمانية التي أرادها الإسلام، لتكون مكافأة ربانية على شهر من الجهد والاجتهاد، ودعوة للاستمرار في طريق الهداية الذي رسمه الله لعباده المؤمنين طوال العام.
