35 جنيهًا تكفي.. دار الإفتاء المصرية تنتصر لمحدودي الدخل في تقدير زكاة الفطر

زكاة الفطر
زكاة الفطر

مع إشراقة الأيام المباركة من شهر رمضان لعام 2026، عاد إلى الواجهة الجدل الموسمي المعتاد حول "زكاة الفطر"، وهي الشعيرة التي أرادها الإسلام طهرة للصائم وطعمة للمساكين، لتتحول في السنوات الأخيرة إلى ساحة للمزايدات الإلكترونية. 

إلا أن هذا العام شهد لغطًا خاصًا صاحب إعلان دار الإفتاء المصرية عن الحد الأدنى للزكاة، مما استدعى وقفة توضيحية حازمة أمام محاولات البعض القفز على الفتوى الرسمية وتقديم تقديرات لا تراعي واقع "غالب القوت" أو القوة الشرائية للمواطن المصري البسيط.

فلسفة دار الإفتاء في تقدير الـ 35 جنيهًا: الانتصار لمحدودي الدخل وتعظيم شريحة المزكين

أوضح الدكتور عبد الله خيري، عضو هيئة التدريس بالأزهر الشريف والمشرف العام لأكاديمية إشراقات، أن دار الإفتاء المصرية حين وضعت النقاط على الحروف وأعلنت أن 35 جنيهًا هو الحد الأدنى لزكاة الفطر لهذا العام، كانت تهدف لترسيخ فقه الواقع. فهذا المبلغ يعادل قيمة "صاع القمح" باعتباره القوت الغالب في الديار المصرية، وهو تقدير جاء ليراعي الطبقات الكادحة وأصحاب الدخول المحدودة، التزامًا بالمقصد الشرعي الذي يهدف إلى توسيع شريحة المزكين ليشمل الثواب حتى الفقير الذي يفيض عن قوته صاع في يوم العيد. 

إن إصرار الجهات الرسمية على النزول بالحد الأدنى لقيمة الصاع ليس "تقليلًا" من قيمة العبادة كما يروج البعض، بل هو استيعاب عميق لفلسفة الزكاة التي تجب على كل من ملك صاعًا زائدًا عن قوت يومه، فلو رُفعت القيمة لتناسب أسعار "الزبيب" أو "المكسرات" كحد أدنى، لخرج ملايين المصريين من دائرة القادرين على نيل ثواب هذه الفريضة، ولأصبح الأمر عبئًا ثقيلًا يشق على الناس في ظل موجة غلاء الأسعار العالمية الراهنة.

مخاطر "الجداول المستوردة": لماذا يرفض الفقهاء تطبيق معايير الخليج على البيئة المصرية؟

من اللافت للنظر انبرى البعض لنشر جداول "مستوردة" عبر منصات التواصل الاجتماعي، تضع حدودًا دنيا مرتفعة مبنية على أصناف مثل الأرز أو التمر أو الزبيب أو حتى التين المجفف، متجاهلين تمامًا قيمة "صاع القمح" الذي تقوم عليه معيشة المصريين.

 ويؤكد الدكتور خيري أن هذا الصنيع ينم عن عدم انتباه لمقصد الشرع الحكيم؛ فالبيئة المصرية تختلف في قوتها الغالب عن بلاد الخليج، والتمسك بتقديرات خارجية دون مراعاة السياق المحلي يربك العامة ويشق على الناس بلا طائل. 

إن محاولة فرض نمط استهلاكي معين في الفتوى الدينية يعكس حالة من الانفصال عن الواقع المجتمعي، حيث أن التقدير الشرعي يجب أن ينبع من معيشة الناس وما يأكلونه في يومهم العادي، وليس بناءً على قوائم أسعار "السلع الترفيهية" التي قد تناسب فئات معينة لكنها لا تصلح كمعيار عام يُلزم به جميع المسلمين بمختلف طبقاتهم الاقتصادية.

رسالة للمزايدين والمنظرين: "تصدق من اللوز.. واترك القمح للفقراء"

وفي سياق أدب رمضان وتوجيهاته الراقية، يوجه العلماء رسالة حازمة لكل من يرى في التقدير الرسمي "مبالغة في النزول" أو محاولة لتقليل قيمة الصدقة: "من استطاع أن يخرج الضعف أو الأضعاف فلا حرج عليه، فليخرج بناءً على سعر التمر القصيمي أو المشمش السوري أو حتى المكسرات الغالية، لكن لا يفتئت على الفتوى الرسمية ولا يلبس على الناس دينهم". 

إن باب التطوع واسع، ومن أراد الاستزادة فخير له، ولكن لا يجوز تحويل هذا التطوع إلى "سيف فقهي" يسلط على رقاب الكادحين الذين لا يسعهم إلا القليل. ويجب ترك الحد الأدنى المعلن لغالب المصريين الذين يتمسكون بهذا القليل لنيل رضا الله وإتمام صيامهم، فالمزايدة على الفقير في زكاته هي نوع من التضييق الذي نهى عنه الشرع، والتحذير من عدم قبول صدقة من اتبع الفتوى الرسمية هو افتراء محض يفسد على الناس روحانية الشهر الكريم ويخلق حالة من الانقسام المجتمعي غير المبرر.

دعوة للالتزام بأدب رمضان: الحذر من المراء والرجوع لأهل الاختصاص في النوازل

اختتمت دار الإفتاء بياناتها ودروسها الدعوية بالدعوة الصريحة إلى التحلي بأدب الشهر الفضيل، والبعد عن الجدال والمنازعة لأهل الاختصاص، محذرة من تخويف الناس من عدم قبول صدقاتهم لمجرد اتباعهم للفتوى الرسمية الصادرة عن مؤسسة عريقة كدار الإفتاء. فالدين يسر، والله يضاعف لمن يشاء، وهو سبحانه واسع عليم بمقاصد القلوب ولا ينظر إلى كثرة المال بقدر ما ينظر إلى صدق النوايا وامتثال الأوامر.

 إن الالتزام بالفتوى الرسمية هو جزء من "أدب الاستجابة" الذي يحفظ للمجتمع توازنه ويمنع تسلل الأفكار المتطرفة أو المغالية التي تحاول فرض وصايتها على ضمائر المؤمنين. وفي ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية في عام 2026، يصبح التمسك بروح الشريعة ومقاصدها في التيسير هو الواجب الشرعي والوطني الأول، لنبذ المراء والجدال العقيم وتوجيه الطاقات نحو العبادة الحقة وخدمة المحتاجين بدلًا من التناحر حول أرقام حسمها فقه الواقع وأنصفتها رحمة التشريع.