من العالمي للمحلي.. تفاصيل رحلة الذهب من 5171 دولارًا إلى مستويات الاستقرار الحالية
شهدت أسعار الذهب في السوق المصرية حالة من الاستقرار الملحوظ خلال التعاملات الصباحية اليوم الثلاثاء 10 مارس 2026، وذلك في أعقاب التراجع الكبير الذي ضرب الأسواق أمس بنحو 70 جنيهًا للجرام الواحد، حيث استقر سعر عيار 21 – وهو العيار الأكثر طلبًا وتداولًا بين المستهلكين المصريين – عند مستوى 7430 جنيهًا للجرام.
ويأتي هذا الاستقرار متزامنًا مع حالة من الهدوء النسبي في حركة البيع والشراء داخل محلات الصاغة، بعد فترة من التقلبات السعرية العنيفة التي أربكت حسابات المستثمرين والمقبلين على الزواج، ووفقًا للتحديثات الأخيرة، سجل عيار 24 نحو 8490 جنيهًا، بينما وصل عيار 18 إلى 6368 جنيهًا، وسجل الجنيه الذهب سعرًا قدره 59440 جنيهًا، وهو ما يعكس تأثر السوق المحلية بالضغوط الخارجية الناتجة عن قوة الدولار الأمريكي من جهة، وتراجع الطلب المحلي المؤقت من جهة أخرى.
الضغوط العالمية وتأثير عوائد السندات على الأونصة
على الصعيد العالمي، واجه الذهب ضغوطًا بيعية قوية أدت إلى تراجعه بنسبة 0.8% خلال تداولات الأمس، حيث سجلت أونصة الذهب أدنى مستوياتها عند 5015 دولارًا بعد أن افتتحت التداولات عند مستويات مرتفعة بلغت 5171 دولارًا، قبل أن تستقر تداولاتها حاليًا بالقرب من 5128 دولارًا للأونصة.
ويعزى هذا الهبوط بشكل مباشر إلى صعود الدولار الأمريكي وصوله إلى أعلى مستوى له في ثلاثة أشهر، مدعومًا بالارتفاع القوي في عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات، مما قلل من جاذبية الذهب كأداة استثمارية كون المعدن الأصفر لا يدر عائدًا ثابتًا مقارنة بالسندات والدولار في ظل سياسة نقدية متشددة، وهو ما دفع المستثمرين لإعادة تدوير سيولتهم نحو الأصول المقومة بالدولار بانتظار بيانات اقتصادية جديدة قد تحدد مسار الفائدة في الفترة المقبلة.
اشتعال أسعار النفط وتأثير التوترات الجيوسياسية على التضخم
في المقابل، تترقب الأسواق العالمية بحذر شديد تطورات قطاع الطاقة، خاصة بعد القفزة الهائلة في أسعار النفط التي تجاوزت 15% لتقترب من حاجز 120 دولارًا للبرميل، وتأتي هذه القفزة مدفوعة بتصاعد حدة التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط والمخاوف المتزايدة من احتمالية تعطل إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، وهذا الارتفاع القياسي في أسعار النفط يعزز من القلق العالمي بشأن استمرار الضغوط التضخمية، حيث يؤدي غلاء الوقود إلى رفع تكاليف الشحن والإنتاج عالميًا، وهو ما قد يخلق حالة من "التضخم الركودي" التي تدفع بالذهب مجددًا للواجهة كملاذ آمن للتحوط ضد انخفاض القوة الشرائية للعملات، مما يجعل المشهد الاقتصادي الحالي يتسم بالتعقيد الشديد بين قوة الدولار من جانب ومخاوف التضخم الجيوسياسي من جانب آخر.
تأتي التحركات الراهنة في أسعار الذهب ضمن سياق تاريخي معقد يربط بين الأزمات الجيوسياسية والتحولات الجذرية في السياسة النقدية الأمريكية، فالمعدن الأصفر الذي لطالما اعتبر الملاذ الآمن الأول عالميًا، بات يواجه منافسة شرسة مع الدولار الأمريكي وسندات الخزانة التي ارتفعت عوائدها لمستويات قياسية خلال الربع الأول من عام 2026، ويرجع هذا التباين إلى إصرار البنك الفيدرالي الأمريكي على كبح جماح التضخم العالمي الذي أججه الارتفاع الجنوني في أسعار الطاقة، خاصة مع اقتراب برميل النفط من حاجز الـ 120 دولارًا نتيجة التوترات القائمة في مضيق هرمز، محليًا تأثرت السوق المصرية بهذه الموجات العالمية بشكل مباشر، حيث أدى الترابط بين السعر العالمي وسعر الصرف إلى حالة من التذبذب العنيف في أسعار الصاغة، مما دفع عيار 21 لتسجيل مستويات غير مسبوقة قبل أن يبدأ في الاستقرار الحذر، وتعكس هذه الخلفية حقيقة أن الذهب لم يعد يتأثر فقط بالعرض والطلب المادي، بل أصبح مرآة للصراعات الدولية وقوة العملة الخضراء، وهو ما يجعل مراقبة عوائد السندات والتحركات العسكرية في مناطق إنتاج الطاقة أمرًا حتميًا لفهم مستقبل المعدن النفيس، إذ يظل المستثمرون في حالة ترقب دائم للموازنة بين مخاطر التضخم التي تدعم الذهب، وبين إغراءات العوائد النقدية التي يسوقها الدولار القوي.
