يوم الشهيد 2026.. حكايات البطولة من خنادق الإسماعيلية ونصب الجندي المجهول
تتوقف مصر في التاسع من مارس من كل عام إجلالًا وتقديرًا لذكرى "يوم الشهيد"، وهو اليوم الذي يجسد أسمى معاني التضحية والفداء في سبيل الوطن، ولم يكن اختيار هذا التاريخ عفويًا، بل جاء تخليدًا لذكرى استشهاد الفريق أول عبد المنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق، الذي ارتقى شهيدًا في عام 1969 وسط جنوده على الجبهة في الإسماعيلية.
ويمثل هذا اليوم منارة تضيء دروب الأجيال القادمة، حيث تستلهم منه القوات المسلحة والشعب المصري قيم الصمود والإصرار، إن الفريق رياض لم يكن مجرد قائد عسكري تقليدي، بل كان نموذجًا فريدًا للقيادة الميدانية التي تؤمن بأن مكان القائد الحقيقي هو الخندق وليس المكتب المكيف، وهو ما جعله يتربع على عرش القلوب كرمز خالد للبطولة المصرية الأصيلة التي لا تهاب الموت في سبيل العزة والكرامة.
جذور العبقرية ومسيرة العلم الاستثنائية
وُلد الفريق محمد عبد المنعم رياض في 22 أكتوبر 1919 بقرية سبرباي بمحافظة الغربية، ونشأ في بيئة عسكرية بامتياز، حيث كان والده قائدًا بالكلية الحربية، مما غرس في وجدانه حب العسكرية منذ الصغر، ورغم التحاقه بكلية الطب في البداية نزولًا على رغبة أسرته، إلا أن شغفه قاده للالتحاق بالكلية الحربية ليتخرج فيها عام 1938، وما ميز "الجنرال الذهبي" هو نهمه المعرفي غير المحدود.
فقد أتقن عدة لغات عالمية ونال الماجستير في العلوم العسكرية بتفوق، بل إنه انتسب لكليتي التجارة والعلوم وهو برتبة فريق، إيمانًا منه بأن القائد الشامل يجب أن يلم بالعلوم الاقتصادية والرياضية ليفهم استراتيجيات الحرب الحديثة، هذا المزيج بين العلم الرصين والشجاعة الميدانية هو ما دفع الروس لإطلاق لقب "الجنرال الذهبي" عليه خلال دراسته في الاتحاد السوفيتي، تقديرًا لعبقريته التي سبقت عصره.
حائط الصد وبناء الجيش بعد النكسة
تولى الفريق عبد المنعم رياض رئاسة أركان حرب القوات المسلحة في وقت عصيب للغاية، وتحديدًا في 11 يونيو 1967، أي بعد أيام قليلة من النكسة، وكانت المهمة الملقاة على عاتقه شبه مستحيلة: إعادة بناء جيش محطم نفسيًا وماديًا.
وبدأ بالتعاون مع الفريق أول محمد فوزي رحلة "حرب الاستنزاف"، حيث ركز على إعادة الثقة للجنود من خلال عمليات نوعية ناجحة مثل معركة "رأس العش" وتدمير المدمرة الإسرائيلية "إيلات"، وكان يرى أن الحرب مع العدو هي صراع إرادات قبل أن تكون صراع معدات، فوضع الخطة (200) التي كانت النواة الأساسية لخطة عبور قناة السويس وتدمير خط بارليف، لقد كان رياض يؤمن بأن الهزيمة ليست نهاية الطريق، بل هي نقطة انطلاق لبناء قوة قادرة على استرداد الأرض والكرامة، وهو ما تحقق بالفعل بفضل الأسس العلمية والعسكرية التي وضعها.
لحظة الاستشهاد.. القائد في الخندق رقم 6
في صبيحة يوم 9 مارس 1969، ضرب الفريق عبد المنعم رياض أروع الأمثلة في القيادة الميدانية، حيث أصر على التوجه إلى أكثر المواقع تقدمًا على الجبهة في الإسماعيلية (الموقع رقم 6)، والذي لم يكن يبعد عن نيران العدو سوى 250 مترًا فقط، ليرى بنفسه نتائج القصف المدفعي المصري على تحصينات خط بارليف، وأثناء تواجده وسط جنوده.
انهالت نيران المدفعية الإسرائيلية على الموقع، وبالرغم من خطورة الموقف، رفض القائد التراجع وظل يقود المعركة من داخل إحدى الحفر، حتى انفجرت قذيفة بالقرب منه أدت إلى استشهاده متأثرًا بجراحه، هذه اللحظة لم تكن مجرد نهاية لحياة قائد، بل كانت ميلادًا لأسطورة عسكرية تدرس في الأكاديميات، حيث أثبت بدمائه أن رتبة "الفريق" لا تعصم صاحبها من نيل شرف الشهادة في سبيل تراب الوطن، لتخرج مصر كلها في جنازة مهيبة ودعت فيها ابنها البار بدموع الفخر.
الإرث الخالد وتكريم يليق بصانع الأمجاد
يبقى إرث الفريق عبد المنعم رياض حيًا في كل شبر من أرض مصر، من خلال الميادين التي تحمل اسمه ونصب الجندي المجهول الذي يقف شاهدًا على تضحيات آلاف الشهداء، وقد منحته الدولة أرفع الأوسمة العسكرية "نجمة الشرف"، ولكن التكريم الحقيقي يكمن في عقيدة القوات المسلحة المصرية التي تسير على نهجه في "العلم والعمل والفداء"، وفي "يوم الشهيد" 2026، تظل أقواله مأثورة ونبراسًا للقادة والجنود، خاصة قوله: "مكان القادة الصحيح وسط جنودهم، وأقرب إلى المقدمة من المؤخرة".
إن الاحتفال بهذا اليوم هو رسالة وفاء من الأحياء للراحلين، وتأكيد على أن دماء الشهداء هي الوقود الذي يحرك قطار التنمية والبناء في الجمهورية الجديدة، لتبقى مصر عزيزة أبية بفضل تضحيات أبنائها الذين لم يبخلوا بأغلى ما يملكون.
