تقرير سي إن إن وفايننشال تايمز: القصة الكاملة لاختراق منظومة المراقبة الإيرانية

خامنئي
خامنئي

لم يكن الدخان المتصاعد فوق سماء طهران صباح ذلك السبت مجرد نتيجة لغارة جوية عابرة، بل كان الستار الذي أُسدل على واحدة من أعقد العمليات الاستخباراتية في التاريخ الحديث، والتي امتدت جذورها لسنوات من التخطيط الرقمي والميداني. 

وبحسب ما كشفته تقارير "سي إن إن" و"فايننشال تايمز"، فإن إسرائيل نجحت في تحويل البنية التحتية للعاصمة الإيرانية إلى سلاح ضدها، حيث تم اختراق نظام كاميرات المرور في شوارع طهران بشكل شبه كامل منذ سنوات طويلة. 

هذا الاختراق مكن أجهزة الاستخبارات في تل أبيب وجنوب إسرائيل من الحصول على رؤية مباشرة ولحظية للأهداف، وتشفير الصور وإرسالها إلى خوادم فائقة القدرة قامت برسم خريطة تفصيلية للمدينة وتحديد أنماط الحركة اليومية بدقة مذهلة. ولم تتوقف العملية عند مجرد المراقبة البصرية، بل امتدت لتكوين صورة معقدة لما يحدث داخل المجمعات شديدة الحراسة، حيث سمحت إحدى الكاميرات بزاوية رؤية استراتيجية بتحديد أماكن ركن السيارات المفضلة للقادة، وكشفت عن تفاصيل روتينية دقيقة كانت المفتاح لفهم الهيكل الأمني المحيط بكبار المسؤولين.

وتشير المصادر الاستخباراتية إلى أن هذا الكم الهائل من البيانات لم يكن ليؤتي ثمارة لولا الاعتماد على ما يُعرف بـ "آلة إنتاج الأهداف"، وهي منظومة متطورة تعمل بالذكاء الاصطناعي قادرة على معالجة مليارات المعلومات في ثوانٍ معدودة. 

هذه الآلة قامت ببناء ما يسميه ضباط المخابرات "نمط حياة" (Pattern of Life) لكل فرد من أفراد الأمن والمسؤولين، شمل ذلك عناوين سكنهم، وساعات عملهم، والطرق التي يسلكونها، والأهم من ذلك، تحديد الأشخاص المكلفين بحمايتهم ونقلهم. 

وبفضل هذه الخوارزميات المعقدة، أصبح لدى المخابرات الإسرائيلية معرفة بطهران تضاهي معرفتهم بشوارع القدس، حيث كان أي تغيير طفيف أو غريب في الروتين اليومي للمدينة يظهر فورًا على شاشات المحللين، مما جعل العاصمة الإيرانية كتابًا مفتوحًا أمام الوحدة 8200 والموساد قبل وقت طويل من انطلاق المقاتلات لتنفيذ الضربة النهائية.

دور الذكاء الاصطناعي والوحدة 8200

تمثلت العقول المدبرة خلف هذا الاختراق التاريخي في وحدة الاستخبارات الإلكترونية "8200"، بالتعاون الوثيق مع الكوادر البشرية التي جندها "الموساد" داخل العمق الإيراني. وقد استخدمت إسرائيل أسلوبًا رياضيًا متطورًا يُعرف بـ "تحليل الشبكات الاجتماعية" لمعالجة مليارات البيانات المدخلة، والتي شملت معلومات بصرية، وإشارات معترضة، واتصالات مخترقة، وصور أقمار صناعية عالية الدقة. كان الهدف النهائي لهذا الجهد الجبار هو الوصول إلى إحداثيات شبكية مكونة من 14 رقمًا تحدد الموقع الجغرافي للهدف بدقة متناهية لا تترك مجالًا للخطأ. وتطلب هذا المشروع فريقًا ضخمًا من المحللين التقنيين والمهندسين الذين عملوا على مدار العقد الماضي لتحسين النظام والتحقق من صحة توصيات الضربات الجوية، وهو ما أثمر عن اختراق الدوائر المقربة من صنع القرار في إيران واستهداف العشرات من كبار المسؤولين والعلماء النوويين على مر السنين، وصولًا إلى الحصول على الأرشيف النووي واغتيال إسماعيل هنية في قلب طهران.

وقد أثبت هذا النظام كفاءته المطلقة في "حرب الأيام الاثني عشر" وفي الضربة الافتتاحية في يونيو الماضي، حيث أسفر عن تصفية أعلى الرتب العسكرية في الحرس الثوري. 

ومع اقتراب "ساعة الصفر" يوم السبت، خلصت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والإسرائيلية إلى أن المرشد الأعلى علي خامنئي سيعقد اجتماعًا في مكاتبه قرب شارع باستور، وهي منطقة حيوية ومحصنة. كانت الحسابات الاستخباراتية تشير إلى أن استهدافه في تلك اللحظة هو الخيار الأوحد، لأن اندلاع الحرب فعليًا سيدفع القادة الإيرانيين إلى الاختفاء داخل ملاجئ تحت الأرض محصنة ضد القنابل التقليدية. وعلى عكس القادة الذين يفضلون العيش في الخفاء، كان خامنئي يمارس حياته بشكل علني نسبيًا، ورغم اتخاذه بعض الاحتياطات بوجود ملجأين خاصين، إلا أن وجوده خارجها في ذلك الصباح جعل منه هدفًا ممكنًا لمنظومة "الغضب الملحمي".

تفاصيل عملية "الغضب الملحمي"

في تمام الساعة 3:38 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة من يوم الجمعة، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأمر النهائي الذي أطلق شرارة الضربات، وجاء في نص الرسالة التي كشف عنها الجنرال دان كين: "عملية الغضب الملحمي معتمدة. ممنوع الإلغاء. حظًا موفقًا". كانت هذه الضربة النهارية تعتمد بشكل كلي على "حدث محفّز" رصدته الأجهزة الإسرائيلية بدعم استخباراتي أمريكي كامل، لتحديد موقع المرشد بدقة داخل مجمعه السكني والإداري.

 الهجوم لم يكن مجرد إنجاز تقني، بل كان قرارًا سياسيًا استراتيجيًا يهدف إلى ضرب رأس النظام قبل أن يتمكن من المناورة أو اللجوء إلى استراتيجيات الاختباء الطويل التي اشتهر بها قادة آخرون في المنطقة مثل حسن نصر الله. وبالفعل، سقطت القنابل بدقة جراحية على الإحداثيات المحددة، مما أدى إلى شل حركة القيادة الإيرانية في لحظة واحدة.