ترامب يهدد بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا: زلزال في حلف الناتو
دخلت العلاقات الأمريكية الإسبانية منعطفًا تاريخيًا يتسم بالتوتر الحاد، بعد أن هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقطع كافة الروابط التجارية مع إسبانيا.
جاء هذا التصعيد المفاجئ على خلفية الموقف الصارم الذي اتخذته حكومة بيدرو سانشيز برفضها القاطع لاستخدام القواعد العسكرية المشتركة على أراضيها كمنطلق للهجمات الأمريكية ضد إيران. هذا الصدام لا يمثل مجرد خلاف عسكري عابر، بل يعكس هوة عميقة في الرؤى السياسية بين إدارة ترامب التي تتبنى نهجًا هجوميًا، وحكومة سانشيز اليسارية التي تتمسك بالشرعية الدولية ومواثيق الأمم المتحدة في إدارة النزاعات الإقليمية.
جذور الخلاف: القواعد العسكرية وحرب إيران
بدأت شرارة الأزمة عندما أعلنت الحكومة الإسبانية، برئاسة بيدرو سانشيز، أنها لن تسمح للقوات الأمريكية المتمركزة في قاعدتي "روتا" البحرية و"مورون" الجوية باستخدام هذه المنشآت لشن عمليات هجومية ضد الأهداف الإيرانية. وأكدت مدريد أن وجود هذه القواعد يخضع لاتفاقيات ثنائية صريحة، وأن أي نشاط عسكري ينطلق منها يجب أن يتماشى مع ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. هذا الموقف اعتبره البيت الأبيض "عرقلة لمصالح الأمن القومي الأمريكي"، حيث يرى ترامب أن الحلفاء يجب أن يقدموا دعمًا غير مشروط في العمليات العسكرية التي تقودها واشنطن، خاصة في ظل التصعيد المستمر في منطقة الشرق الأوسط.
ولم يتوقف غضب ترامب عند حدود مدريد، بل امتد لينتقد بريطانيا أيضًا، متهمًا إياها بعدم تقديم التعاون الكافي في هذا الملف الحساس. وخلال لقاء جمعه بالمستشار الألماني فريدريش ميرتس في البيت الأبيض، وصف ترامب الموقف الإسباني بأنه "مريع"، مشيرًا إلى أن سانشيز يمثل نموذجًا للقادة الذين يعرقلون استراتيجية الولايات المتحدة العالمية. هذا الخطاب التصعيدي يعكس رغبة ترامب في ممارسة أقصى درجات الضغط على الدول الأوروبية للامتثال لخططه العسكرية، وإعادة صياغة أدوار الحلفاء بما يخدم رؤيته لمبدأ "أمريكا أولًا".
سلاح الاقتصاد وتهديدات قطع التجارة
في خطوة غير مسبوقة ضد حليف في ناتو، صرح ترامب بوضوح قائلًا: "سنوقف التجارة بأكملها مع إسبانيا.. لا نريد أي علاقة معها". وأكد أنه أصدر تعليماته لوزير الخزانة، سكوت بيسنت، للبدء في دراسة إجراءات قطع جميع التعاملات المالية والتجارية. هذا التهديد يضع العلاقات الاقتصادية الضخمة بين البلدين على المحك، حيث ترتبط الولايات المتحدة وإسبانيا باستثمارات بمليارات الدولارات وسلاسل توريد معقدة تشمل قطاعات الطاقة، التكنولوجيا، والزراعة. ومع ذلك، تظل قانونية هذه الخطوة محل تساؤل كبير، خاصة بعد أن حدت المحكمة العليا الأمريكية من قدرة الرئيس على استخدام قوانين الطوارئ لفرض رسوم جمركية أو عقوبات تجارية بشكل تعسفي دون العودة للكونجرس.
ورغم العقبات القانونية، أصر ترامب على امتلاكه الحق السيادي في اتخاذ هذا القرار، مؤكدًا قدرته على وقف الأعمال التجارية "اليوم قبل غدًا". ويرى مراقبون أن ترامب يستخدم التهديد التجاري كأداة للضغط السياسي (Coercive Diplomacy) لإجبار مدريد على التراجع عن موقفها العسكري. كما ربط الرئيس الأمريكي غضبه برفض سانشيز المتكرر لزيادة الإنفاق الدفاعي لدول حلف شمال الأطلسي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو المطلب الذي يصر عليه ترامب لتخفيف ما يصفه بـ "العبء المالي الكبير" الذي تتحمله الولايات المتحدة تجاه أمن أوروبا.
رد مدريد: السيادة والتمسك بالقانون الدولي
من جانبها، لم تتأخر الحكومة الإسبانية في الرد على هذه التهديدات بلغة دبلوماسية رصينة ولكن حازمة. وأكدت مدريد أن العلاقة التجارية بين البلدين هي علاقة "متبادلة المنفعة"، وأن أي مراجعة لهذه العلاقة يجب أن تتم تحت مظلة القانون الدولي والاتفاقيات المبرمة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
وشددت الحكومة على ضرورة احترام استقلالية الشركات الخاصة، محذرة من أن الإجراءات الأحادية قد تضر بكلا الطرفين. وفي رسالة طمأنة للداخل، أكد سانشيز أن بلاده تمتلك الموارد اللازمة لاحتواء أي آثار سلبية وتنويع سلاسل التوريد بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية إذا لزم الأمر.
ودعا رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، إلى العودة لمسار الحوار لإنهاء الحرب على إيران، مؤكدًا أنه "يمكن للمرء أن يعارض نظامًا بغيضًا، وفي الوقت نفسه يعارض تدخلًا عسكريًا غير مبرر وخطيرًا". هذا الموقف ليس بجديد على سانشيز، الذي يُعرف بمواقفه الجريئة في السياسة الخارجية، ومنها انتقاده الصريح للعمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة ووصفها بـ "الإبادة الجماعية"، مما يجعله أحد أبرز الأصوات الأوروبية المعارضة للسياسات القائمة على القوة العسكرية المفرطة.
التاريخ العسكري والمستقبل الغامض
يعيد هذا التوتر إلى الأذهان التباين الكبير في المواقف الإسبانية تجاه الحروب الأمريكية؛ فبينما كانت إسبانيا في عهد خوسيه ماريا أثنار عام 2003 داعمًا رئيسيًا لغزو العراق، تبنى الاشتراكيون لاحقًا نهجًا أكثر استقلالية. اليوم، ومع وجود قاعدتي "روتا" و"مورون" كركائز أساسية للانتشار الأمريكي في المتوسط وإفريقيا، يجد البنتاغون نفسه في مأزق؛ إذ إن تنفيذ تهديدات ترامب قد يؤدي إلى خسارة مواقع استراتيجية لا يمكن تعويضها بسهولة، بينما يصر الرئيس على أن الولاء السياسي يجب أن يسبق التعاون العسكري.
في الختام، تبقى الأيام القادمة حاسمة في تحديد مسار هذه الأزمة. فهل ينجح ترامب في إخضاع مدريد عبر بوابة الاقتصاد، أم أن إسبانيا ستنجح في قيادة تكتل أوروبي يرفض الانجرار وراء المغامرات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط؟ المؤكد أن قواعد اللعبة داخل حلف الناتو بدأت تتغير، وأن مفهوم "التحالف" يخضع لإعادة تعريف قاسية تحت إدارة ترامب الثانية، مما قد يدفع أوروبا جديًا نحو التفكير في استقلاليتها الاستراتيجية والدفاعية بعيدًا عن المظلة الأمريكية المتعثرة.
