من طهران إلى تل أبيب.. رقعة الحرب تتسع والسيناريوهات المفتوحة تهدد أمن الطاقة العالمي
حذر باحثون وخبراء فى الشأن الإيرانى من أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران ستكون لها تأثيرات عميقة على أمن الإقليم بأسره، متوقعين أن تفتح هذه الحرب الباب أمام متغيرات غير متوقعة فى المنطقة، مع اتجاه لتوسيع رقعة المواجهة خلال الساعات المقبلة.
ورأى الباحثون والخبراء، في تصريحات صحفية، أن العملية الأمريكية الإسرائيلية تستهدف إسقاط النظام الإيرانى بشكل أساسى، وهو ما عكسه الهجوم على مراكز القيادة بشكل أساسى، مشيرين فى الوقت ذاته إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، هو من يقف وراء حسم «تردد» الولايات المتحدة فى قرار المواجهة العسكرية مع إيران.
استهداف مراكز القيادة فى طهران يكشف نية الإطاحة بالملالى
رأى رضا إسكندر، الخبير فى الشئون الإيرانية، أن استهداف المراكز الحكومية فى طهران من قِبل القوات الجوية الأمريكية والإسرائيلية، بشكل متزامن، يُعدّ دليلًا واضحًا على وجود رغبة جامحة فى النيل من النظام الإيرانى وأركانه الأساسية.
وأوضح «إسكندر» أن المنطقة التى تم استهدافها تضم مركز القيادة، حيث يوجد المرشد الأعلى على خامنئى، إضافة إلى مقر رئاسة الجمهورية، والمجلس الأعلى للأمن القومى، ومجمع تشخيص مصلحة النظام، ما يعنى أن البنية القيادية العليا للجمهورية الإسلامية تقع ضمن نطاق جغرافى محدد ومعروف.
وأضاف: «هذه المنطقة ذات طابع مدنى بامتياز، إذ تقع بالقرب من جامعة طهران والمكتبات العامة وأماكن الحضور الشعبى، ما يعكس حساسية الاستهداف وخطورته».
وواصل: «هذه البقعة نفسها كانت قد شهدت قبل أيام محاولة من عناصر منظمة (مجاهدى خلق) للسيطرة عليها، إلا أنهم فشلوا، مع ورود معلومات عن مقتل أكثر من ١٠٠ عنصر منهم على يد القوات الأمنية الإيرانية، علمًا بأنهم مدعومون من الولايات المتحدة وإسرائيل»، قبل أن يعقّب: «عجز الوكيل دفع الأصيل إلى التدخل المباشر لاستهداف المنطقة ذاتها».
ونبّه إلى أن استهداف مواقع عسكرية، خاصة تلك المرتبطة بـ«الحرس الثورى»، يأتى فى إطار محاولة ضرب البنية الأمنية والعقائدية الأكثر دفاعًا عن الجمهورية الإسلامية، إذ يتولى «الحرس الثورى» مسئولية أمن الحدود والمراكز الحساسة.
لكنه أشار إلى مفارقة لافتة تتمثل فى قصف مناطق حدودية قريبة من طهران، وهو ما يثير علامات استفهام حول احتمال وجود نية لإدخال قوات ميدانية، أو تنفيذ عمليات خاصة، خاصة فى مناطق مثل كرمانشاه ولورستان وبلوشستان، التى لم تكن تُستهدف سابقًا بهذا الشكل.
وعلى الصعيد الداخلى، قال «إسكندر» إن الوضع الشعبى يتجه نحو مزيد من التلاحم، خاصة بعد دعوات رئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، والرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، القوى العسكرية الإيرانية إلى إلقاء السلاح.
واعتبر أن هذه الدعوات قد «تقلب السحر على الساحر»، لأن المواطن الإيرانى، حتى وإن كان معارضًا لبعض السياسات الاقتصادية، لن يقبل بأن يُنظر إليه كأداة فى يد «نتنياهو»، مشيرًا إلى أن تصريحات سابقة داعمة للاحتجاجات أدت إلى انسحاب كثيرين من الشارع، خاصة بعد سقوط قتلى من رجال الأمن.
وشدد على أن الأنباء المتداولة بشأن استهداف شخصيات رفيعة، بينها رئيس الجمهورية، لا تستند إلى أى مصادر رسمية أو إعلامية موثوقة، قبل أن يشير إلى أن الرد الإيرانى بدأ بالفعل، لكنه ليس مرتبطًا بسقف زمنى محدد، بل رد «مدروس ومحسوب».
ورجح أن تتجه طهران إلى إطالة أمد المواجهة واستنزاف المخزون الإسرائيلى من الصواريخ، كما حدث فى مواجهات سابقة، ما سيضطر تل أبيب إلى طلب دعم إضافى من واشنطن، وهو دعم قد يواجه تحديات لوجستية أو استهدافًا فى الجو.
وأضاف: «المعادلة مرشحة للتصعيد الإقليمى، وربما أبعد من ذلك، فى حال توسعت دائرة الضربات لتشمل قواعد عسكرية فى دول أخرى»، لافتًا إلى أن إيران كانت قد تواصلت مع دول المنطقة وأبلغتها برفضها استخدام أراضيها أو قواعدها ضدها، لكن فى حال ثبت حدوث تدخل، فإن «المراجعة ستكون حتمية»، ما قد يفتح الباب أمام متغيرات غير متوقعة واتساع رقعة الحرب.
مخاوف من تعطيل حركة المضائق البحرية وتهديد البوارج بمياه الخليج
أشار الباحث السياسى العراقى، واثق الجابرى، إلى أن الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية المتزامنة تحمل تداعيات خطيرة على المنطقة، لا سيما مع الاستعدادات الكبيرة التى أعدتها الأطراف جميعها.
وأوضح أن الجانب الإيرانى هذه المرة اتخذ موقفًا هجوميًا محسوبًا؛ إذ استهدف إسرائيل بشكل مباشر، إضافة إلى استهداف القواعد والمصالح الأمريكية فى المنطقة، وهو ما قد يؤدى إلى تعطيل حركة المضائق البحرية أو تهديد حاملات الطائرات والبوارج الموجودة فى مياه الخليج، ما يوسع دائرة المواجهة بشكل كبير.
وأشار إلى أن إسرائيل منذ أحداث «طوفان الأقصى» وحتى اليوم كانت تسعى إلى توسيع نطاق النزاع، بهدف الضغط على إيران وإجبارها على التراجع، غير أن إيران تعاملت مع الضربات بشكل مدروس، مع مراعاة عدم انهيار الوضع بشكل كامل أو تصعيده إلى حرب إقليمية أو دولية.
وذكر أن الاستهدافات الإيرانية تركز على المواقع العسكرية والقدرات الحيوية مثل المنشآت النووية والمنصات الصاروخية، مع تجنب الأهداف المدنية قدر الإمكان لتقليل الخسائر فى الأرواح ومنع تأثير الردود الانتقامية على مصادر الطاقة والبنية التحتية، وهو نهج مشابه للاستراتيجيات التى اتبعتها إيران فى النزاعات السابقة.
وأكد أن الحرب لن تكون محدودة، وأن احتمالات اتساع نطاقها قائمة بقوة، خاصة مع قدرة إيران على الرد بشكل تصاعدى ومدروس على الضربات الإسرائيلية والأمريكية، لافتًا إلى أن الرد الإيرانى بدأ بالفعل، من خلال استخدام القوة الصاروخية والبحرية، ما يشير إلى أن المواجهة قد تمتد لفترة أطول مما توقعت الأطراف المعنية، وأن الاستنزاف سيكون إحدى أبرز نتائجها، إذ من المتوقع أن تنفد الصواريخ الإسرائيلية فى فترة قصيرة، وهو ما سيدفع تل أبيب إلى طلب دعم إضافى من الولايات المتحدة، الذى قد يواجه تحديات لوجستية كبيرة.
وأشار إلى أن الوضع الداخلى الإيرانى يعكس تلاحمًا شعبيًا مع القوات الأمنية، ومن الصعب التحكم فى أى حراك داخلى أو احتجاجات، لكن التقديرات الحالية تؤكد أن المواطنين الإيرانيين لن يقبلوا بأن يجرى استغلالهم فى مواجهة مباشرة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة.
وشدد على أن سيناريو الاغتيالات وارد، سواء استهدف المرشد الأعلى أو رئيس الجمهورية، إلا أن هذه العمليات ستكون جزءًا من حسابات استراتيجية دقيقة، معتبرًا أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران ستكون لها تأثيرات عميقة على أمن الإقليم، وستفتح الباب أمام متغيرات غير متوقعة فى المنطقة.
وذكر أن السيطرة على مجريات الأحداث ستكون صعبة، وأن التقديرات الحالية تشير إلى أن مواجهة طويلة الأمد قد تفرض نفسها على الصعيدين العسكرى والسياسى، ما يجعل المنطقة أمام مرحلة حساسة للغاية، قد تعيد رسم موازين القوى فى الشرق الأوسط.
الهجوم الأمريكى الإسرائيلى لا يقتصر على البرنامجين النووى أو الصاروخى الإيرانيين
أكد الباحث السياسى الأردنى، خالد شنيكات، أن الهجوم الإسرائيلى على إيران كان متوقعًا فى ضوء الاستعدادات العسكرية المكثفة التى جرت خلال الأشهر الماضية، موضحًا أن حجم التحضيرات وحشد القوات كان كافيًا لإقناع أى مراقب بأن عملية عسكرية إسرائيلية، وربما بدعم أمريكى، باتت وشيكة.
وقال إن التصعيد جاء بعد رفض طهران المطالب الأمريكية، التى تضمنت التخلى الكامل عن برنامجها النووى، وفرض رقابة مشددة عليه، إلى جانب تقييد برنامجها الصاروخى، وهى مطالب اعتبرتها القيادة الإيرانية بمثابة شروط استسلام، مشيرًا إلى أن محاولات البحث عن حلول وسط لم تثمر، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الطرفين بصورة كبيرة.
ولفت إلى أن الهدف الحقيقى من الهجوم لا يقتصر على البرنامجين النووى أو الصاروخى، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة إحداث تغيير فى بنية النظام السياسى الإيرانى، معتبرًا أن الإقدام على خطوة من هذا النوع ينطوى على مخاطرة استراتيجية كبيرة، خاصة أن مسار الحرب يبقى العامل الحاسم فى تحديد النتائج.
وبيّن «شنيكات» أن مجريات الحروب عادة ما يصعب التحكم بها فى بداياتها، لافتًا إلى أن المرحلة الحالية قد تتضمن ضربات متبادلة، مع احتمال استمرار التصعيد لفترة زمنية غير محسومة.
وذكر أن الحكم على مآلات المواجهة فى بدايتها يظل أمرًا صعبًا، إلا أن من يبادر بالضربة الأولى غالبًا ما يمتلك أفضلية نسبية فى إدارة المرحلة الأولى من الصراع، بينما تبقى التطورات الميدانية هى الفيصل فى رسم المشهد النهائى.
نتنياهو وراء حسم التردد الأمريكى نحو المواجهة العسكرية
قال يوسف هزيمة، الباحث السياسى فى الشأن الإيرانى، إن المعطيات الميدانية والسياسية تشير إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، تمكن من فرض خياره على الإدارة الأمريكية، التى بدت خلال الشهرين الماضيين فى حالة تردد واضحة حيال خيار الذهاب إلى مواجهة عسكرية مع إيران.
وأضاف «هزيمة» أن هذا التردد كان ملموسًا فى التصريحات الصادرة عن أعلى المستويات فى واشنطن، حيث تراوحت المواقف بين التلويح بالحرب واستبعادها، ما عكس حالة عدم حسم داخل دوائر القرار الأمريكى، مشيرًا إلى أن العامل الحاسم فى التحول نحو الخيار العسكرى يعود إلى قناعة متزايدة لدى الإدارة الأمريكية بأنها لن تحصل عبر المفاوضات على التنازلات التى تطالب بها من الجانب الإيرانى.
وحسب تقدير الباحث فى الشأن الإيرانى، أدرك الأمريكيون أنهم لن ينتزعوا التنازل المطلوب فيما يتعلق بالملف النووى وسواه، ما دفعهم إلى الانتقال من مسار التفاوض إلى استخدام القوة العسكرية، مستندين إلى حشود وتحركات عسكرية جرى إعدادها على مدى شهرين، ولا يمكن من وجهة نظرهم أن تعود من دون تحقيق هدف سياسى أو عسكرى واضح.
وواصل: «المشهد الراهن يعنى فعليًا الدخول فى حالة حرب بكل ما تحمله الكلمة من معنى»، مشيرًا إلى أن العمليات الجارية ضد إيران تشارك فيها الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب إسرائيل، ما يضع المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية. وأكمل: «طبيعة الضربات المتبادلة تعكس انخراطًا مباشرًا من الطرفين، إذ تنفذ واشنطن وتل أبيب هجمات داخل العمق الإيرانى، فيما ترد طهران باستهداف مواقع وقواعد عسكرية أمريكية فى المنطقة». وفيما يتعلق بأفق المواجهة، قال «هزيمة»: «الصورة لا تزال غير واضحة، نحن فى المراحل الأولى من الحرب، ويصعب استشراف المسار النهائى. وفى حال لم يطرأ تغير على المسار الدبلوماسى، مع الإقرار بأن الدبلوماسية تبدو اليوم فى موقع متراجع وأن الكلمة باتت للقوة، فإن احتمالات استمرار التصعيد تبقى قائمة، وربما تتوسع رقعته».
ونبّه إلى أن دول الخليج ليست بمنأى عما يجرى، بحكم وجود قواعد ومصالح عسكرية أمريكية فى المنطقة، ما يجعلها عرضة لتداعيات أى تصعيد إضافى، متسائلًا حول ما إذا كانت المواجهة ستبقى محصورة ضمن هذا الإطار الجغرافى والعسكرى، أم أنها قد تتطور إلى اشتعال أوسع يشمل الإقليم برمته. وأضاف: «جميع السيناريوهات تبقى مطروحة فى هذه المرحلة، فى ظل غياب جواب نهائى وشامل حول المسار الذى ستتخذه الأحداث»، معتبرًا أن «الميدان وحده هو الذى سيحسم الاتجاهات لحظة بلحظة، ما يفرض متابعة دقيقة لتطورات العمليات العسكرية ولأى تحرك سياسى قد يعيد الاعتبار للمسار الدبلوماسى».
