سر "الخلطة السحرية" في فوازير نيللي.. كيف أبدعت مع فهمي عبد الحميد وصلاح جاهين؟

نيللي
نيللي

تعد الفنانة نيللي واحدة من أبرز الرموز التي شكلت الوجدان العربي على مدار عقود، فهي لم تكن مجرد ممثلة عادية، بل كانت حالة فنية متكاملة جمعت بين التمثيل والرقص والغناء والاستعراض، مما جعلها تحتل مكانة فريدة في قلوب الملايين.

 ولدت نيللي آرتين غالفيان في القاهرة عام 1951 لأسرة مصرية ذات جذور أرمنية عريقة، ونشأت في بيئة فنية بامتياز، فهي شقيقة "الطفلة المعجزة" فيروز، وابنة خال الفنانة لبلبة. 

بدأت مشوارها الفني وهي لم تتجاوز الرابعة من عمرها في فيلم "الحرمان"، لتتوالى بعدها الأعمال التي صقلت موهبتها الفطرية، حيث اعتنى والدها بتدريبها هي وشقيقاتها على فنون الباليه والموسيقى، مما خلق منها فنانة شاملة قادرة على تطويع جسدها وصوتها لخدمة الاستعراض الراقي الذي اشتهرت به لاحقًا.

البدايات المسرحية والسينمائية.. دلوعة الشاشة المصرية

انطلقت نيللي من عالم الطفولة إلى مرحلة النضج الفني عبر بوابة المسرح والإذاعة، حيث شاركت في مسرحية "اوعى تعكر دمك" مع فرقة الريحاني وبدعم من السيدة ماري منيب، ثم كانت المحطة الفارقة في المسلسل الإذاعي "شيء من العذاب" أمام موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب. 

هذا النجاح الإذاعي مهد الطريق لبطولتها المطلقة الأولى في السينما من خلال فيلم "المراهقة الصغيرة" عام 1966. وخلال مسيرتها السينمائية، شكلت نيللي ثنائيات ناجحة جدًا، أبرزها مع الفنان صلاح ذو الفقار في 7 أفلام متميزة مثل "صباح الخير يا زوجتي العزيزة" و"الرجل الذي فقد ظله"، كما تألقت مع الفنان محمود ياسين في 12 عملًا فنيًا، كان أهمها فيلم "العذاب امرأة" الذي نالت عنه جائزة أحسن ممثلة، مؤكدة قدرتها على أداء الأدوار التراجيدية الصعبة بنفس كفاءة الأدوار الاستعراضية الخفيفة.

ملكة الفوازير.. العصر الذهبي للاستعراض الرمضاني

رغم رصيدها السينمائي والمسرحي الضخم، إلا أن "فوازير رمضان" تظل التاج الذي توج نيللي ملكة غير متوجة على عرش الاستعراض العربي. بدأت رحلتها مع الفوازير عام 1975 مع المخرج العبقري فهمي عبد الحميد، ورغم تخوفها الأولي، إلا أن النجاح الساحق دفعها للاستمرار لمدة 13 موسمًا على مدار عشرين عامًا. بلغت الفوازير ذروة إبداعها عندما انضم العبقري صلاح جاهين لكتابة "عروستي" عام 1980 و"الخاطبة" عام 1981،

 حيث امتزجت ألحان عمار الشريعي وحلمي بكر مع استعراضات حسن عفيفي وأداء نيللي المبهر. وتوالت نجاحاتها في التسعينيات مع مخرجين مثل جمال عبد النبي ومحمد عبد النبي في "عالم ورق" و"صندوق الدنيا" و"الدنيا لعبة"، لتصبح فوازير نيللي جزءًا أصيلًا من طقوس شهر رمضان في كل بيت عربي.

تكريمات وإنجازات.. الهرم الذهبي وتقدير العمر

تقديرًا لهذا المشوار الحافل، حظيت نيللي بتكريمات رفيعة من كبرى المحافل الفنية. ففي عام 2021، منحها مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ43 جائزة "الهرم الذهبي التقديرية لإنجاز العمر"، وهو التكريم الذي وصفه رئيس المهرجان محمد حفظي بأنه احتفاء بفنانة استثنائية مزجت بين كافة الفنون الأدائية. 

كما تم اختيار فيلمها "الرجل الذي فقد ظله" ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية عام 1996. وفي عام 2024، حملت الدورة الـ40 لمهرجان الإسكندرية السينمائي اسم "دورة نيللي"، تقديرًا لتاريخها الطويل، بالإضافة إلى تكريمها في مهرجان المركز الكاثوليكي، ومهرجان وشوشة 2025، وجوائز الموريكس دور في لبنان، مما يعكس الأثر الباقي لفنها عبر الأجيال والحدود الجغرافية.

نيللي والأطفال.. بصمة تربوية وفنية خالدة

لم يقتصر إبداع نيللي على الكبار، بل كان للأطفال نصيب كبير من اهتمامها وفنها. قدمت نيللي العديد من الأغاني والأوبريتات التي أصبحت كلاسيكيات في أدب الطفل العربي، وأبرزها أوبريت "اللعبة" عام 1987 الذي كتبه صلاح جاهيد ولحنه هاني شنودة، وأغنية "يا عصفورة العصافير". 

كما لا يزال الجيل الحالي يردد أغنيتها الشهيرة "كان في فراشة صغنططة" من كلمات سيد حجاب، والتي قدمتها في مسلسل "مبروك جالك ولد". هذا الجانب من مسيرتها يعكس روحها الطفولية النقية وقدرتها على النفاذ إلى عقول وقلوب الصغار ببساطة وعمق، مما جعلها "خالة" وأمًا لكل الأطفال الذين نشأوا على فنها الراقي والهادف.

إرث فني يتجدد ولا يغيب

على الرغم من فترات الاعتزال والابتعاد عن الأضواء، إلا أن نيللي تظل الحاضرة الغائبة في كل مشهد استعراضي جميل. فنانة احترمت جمهورها وقدمت فنًا نظيفًا يجمع بين البهجة والقيمة، واستطاعت أن تحافظ على رونقها ومحبة الناس رغم تعاقب السنوات.

 إن حياة نيللي هي قصة كفاح وموهبة بدأت من سن الرابعة ولم تنتهِ بانتهاء عروضها، بل تحولت إلى مدرسة يستلهم منها كل من يريد التخصص في فن الاستعراض. ستظل نيللي دائمًا هي "الدلوعة" التي منحتنا "شيئًا من العذاب" الجميل في الدراما، وكثيرًا من الفرح والدهشة في الفوازير، لتستحق عن جدارة لقب أسطورة الاستعراض في تاريخ الفن المصري الحديث.