بين "وردة بدار" و"حنا بلومبرج".. كيف تربعت سماح أنور على عرش الدراما؟
تعد الفنانة المصرية سماح أنور واحدة من أبرز الوجوه التي تركت بصمة لا تمحى في تاريخ الفن العربي، فهي لم تكن مجرد ممثلة عادية، بل كانت رمزًا للمرأة القوية والمتمردة على الأنماط التقليدية في السينما. ولدت سماح في 22 أبريل 1965، في عائلة فنية بامتياز، حيث تشربت الفن من والدها الأديب الراحل أنور عبد الله ووالدتها الفنانة القديرة سعاد حسين. درست اللغة الفرنسية في جامعة القاهرة، لكن شغفها بالأضواء كان أقوى من الشهادات الأكاديمية، لتنطلق في مسيرة فنية امتدت لعقود، تميزت خلالها بأدوار "البنت المسترجلة" التي تجيد فنون الحركة والأكشن، وهو النمط الذي كان نادرًا في السينما المصرية آنذاك، مما جعلها تحتل مكانة خاصة لدى جمهور الشباب في الثمانينيات والتسعينيات.
أسرار الأمومة والندم في حياة سماح أنور
لطالما كانت الحياة الشخصية لسماح أنور محاطة بهالة من الغموض، خاصة فيما يتعلق بقصة ابنها "أدهم". لسنوات طويلة، صرحت سماح أمام وسائل الإعلام أن أدهم هو ابنها بالتبني، وأن والدته كانت قريبة لها توفيت في حادث مأساوي، فقررت التكفل به ومنحه حنان الأمومة. هذا الموقف نال تعاطفًا هائلًا من الجمهور، خاصة أن سماح كانت تعاني في تلك الفترة من تداعيات حادث مروري مروع كاد يودي بحياتها. إلا أن الحقيقة كانت أعمق من ذلك بكثير، فبعد أن بلغ الطفل سن السابعة، قررت سماح كسر حاجز الصمت والاعتراف بأنها والدته الحقيقية، وأنها كانت متزوجة سرًا من الطيار عاطف فوزي، الذي رحل عن عالمنا وهي في شهرها الرابع من الحمل، مما دفعها لإخفاء الزواج والولادة بسبب ظروف اجتماعية وفنية معقدة في ذلك الوقت.
وتحدثت سماح أنور بمرارة عن هذا السر في لقاءات تليفزيونية لاحقة، واصفة إخفاء هوية ابنها بأنها "غلطة عمرها" التي ندمت عليها كثيرًا، ليس لأنها أخطأت في حق نفسها، بل لأنها حرمت ابنها من معرفة أهله الحقيقيين والعيش بوضعه الطبيعي منذ البداية. وأكدت في حوارها مع الإعلامية راغدة شلهوب أنها لا تخشى الموت، بل تعتبره الحقيقة الوحيدة، مشيرة إلى أنها مرت بفترات صعبة من فقدان الطموح والاهتمام، لكن حبها لابنها أدهم كان دائمًا هو المحرك الأساسي لاستمرارها في مواجهة تحديات الحياة والمهنة.
الحادث المأساوي ورحلة الـ 42 عملية جراحية
في عام 1998، تعرضت سماح أنور لحادث سير مروع غير مسار حياتها بالكامل، حيث كانت الإصابات بالغة لدرجة أنها خضعت لـ 42 عملية جراحية دقيقة لاستعادة قدرتها على السير. هذه المحنة لم تكسر إرادتها، بل جعلتها تعيد ترتيب أولوياتها، فاتجهت إلى مجال الإخراج الفني بجانب التمثيل، وأثبتت قدرتها على العطاء من وراء الكاميرا كما كانت أمامها. هذه الفترة شهدت نضوجًا فنيًا كبيرًا، حيث انتقلت من أدوار الفتاة المشاغبة إلى أدوار أكثر عمقًا وتركيبًا في الدراما التليفزيونية، مثل دورها الأيقوني "وردة بدار" في مسلسل "ذئاب الجبل" الذي يظل علامة فارقة في تاريخ الدراما الصعيدية، ودور "حنا بلومبرج" في ملحمة "رأفت الهجان".
مواقف سياسية وتصريحات أثارت الجدل
لم تخلُ مسيرة سماح أنور من الأزمات، ولعل أبرزها ما حدث خلال الثورة المصرية في فبراير 2011. فقد نُقل عنها تصريحات تليفزيونية طالبت فيها بـ "حرق" المتظاهرين في ميدان التحرير، مما أثار موجة غضب عارمة ضدها. ومع ذلك، دافعت سماح عن نفسها لاحقًا موضحة أن كلامها اجتزئ من سياقه، وأنها كانت تتساءل عن هوية المتواجدين في الميدان بعد تحذيرات الجيش، وعندما قيل لها إنهم من أصحاب الأجندات والإخوان، جاء ردها العفوي "خلاص ما يتحرقوا"، مؤكدة أنها لم تقصد أبدًا الشباب المصري الوطني، بل كانت تخشى على أمن واستقرار البلاد من المخربين.
مسيرة فنية حافلة بالنجاحات
تزخر مسيرة سماح أنور بمئات الأعمال التي تنوعت بين السينما والمسرح والتليفزيون والإذاعة. في السينما، قدمت أفلامًا خالدة مثل "امرأة واحدة لا تكفي"، "حالة تلبس"، "أبو كرتونة"، و"بنت مشاغبة جدًا". أما في التليفزيون، فقد كانت ركيزة أساسية في مسلسلات ضخمة مثل "زيزينيا"، "يوميات ونيس"، ووصولًا إلى تألقها الأخير في "بطن الحوت" ومسلسل "الليلة واللي فيها". كما تميزت في المسرح من خلال عروض مثل "راقصة قطاع عام" و"في انتظار بابا"، مما يثبت شمولية موهبتها وقدرتها على التلون مع كل شخصية تجسدها، لتظل سماح أنور رمزًا للفنان الذي يجمع بين الجرأة، التحدي، والإخلاص للفن.
