من الأقصر إلى الحرم الجامعي: رحلة طلاب الصين في أعماق الحضارة المصرية بجامعة القاهرة
في خطوة استراتيجية تعكس عمق الروابط الأكاديمية والثقافية بين مصر والصين، وفي إطار سعيها الدؤوب لتعزيز مكانتها المرموقة في خارطة التعليم العالي العالمية، نظمت جامعة القاهرة مدرسة شتوية متخصصة في علوم الآثار والدراسات التراثية لطلاب جامعة "شنغهاي جياو تونج" الصينية العريقة.
تأتي هذه الفعالية برعاية مباشرة من الدكتور محمد سامي عبد الصادق رئيس الجامعة، وبإشراف أكاديمي وتنظيمي رفيع المستوى شمل قطاع الدراسات العليا والبحوث وكلية الآثار ومكتب العلاقات الدولية، بهدف تقديم تجربة تعليمية وتثقيفية استثنائية تمتد لثلاثة أسابيع، تجمع بين الجانب النظري الأكاديمي والجانب التطبيقي الميداني في قلب المعالم التاريخية المصرية، مما يعزز مفهوم "تدويل التعليم" الذي تتبناه الجامعة في رؤيتها المستقبلية للتحول نحو جامعات الجيل الرابع.
رؤية استراتيجية لتعزيز التفاهم الثقافي والتقارب الحضاري
أكد الدكتور محمد سامي عبد الصادق، رئيس جامعة القاهرة، أن تنظيم هذه المدرسة الشتوية ليس مجرد نشاط أكاديمي عابر، بل هو تجسيد حي لاستراتيجية الجامعة الرامية إلى بناء جسور التواصل الحضاري والتقارب بين الشعوب من خلال المعرفة.
وأوضح أن الانفتاح على الجامعات الدولية المرموقة مثل جامعة شنغهاي جياو تونج يساهم في فتح آفاق رحبة للتبادل العلمي، ويؤكد دور جامعة القاهرة كمركز إقليمي ودولي للإشعاع المعرفي.
إن هذه البرامج تسعى إلى تقديم صورة مشرفة عن الدولة المصرية وإمكانياتها الأثرية والعلمية، حيث يمثل الطلاب الأجانب سفراء لمصر في بلدانهم بعد معايشتهم لثراء التراث المصري وعظمة التاريخ الذي تدرسه الجامعة بأساليب علمية حديثة تضاهي المعايير العالمية في كبريات المؤسسات الأكاديمية.
المعايشة الميدانية في الأقصر: تجربة واقعية في مهد الحضارة
لم تقتصر المدرسة الشتوية على قاعات المحاضرات، بل تضمن البرنامج أسبوعًا ميدانيًا كاملًا قضاه الطلاب في محافظة الأقصر، حيث أقاموا بمركز الدراسات الأثرية والتراث العالمي التابع لجامعة القاهرة.
وخلال هذه الفترة، حظي الطلاب الصينيون بفرصة نادرة لمعاينة المعجزات الهندسية والأثرية في معابد الكرنك والأقصر، بالإضافة إلى زيارة المتاحف المتخصصة، مما أتاح لهم الربط بين المادة العلمية والواقع الملموس.
إن وجود مركز تابع للجامعة في قلب مدينة الأقصر يعكس قوة البنية التحتية الأكاديمية لجامعة القاهرة وقدرتها على توفير بيئة تعليمية مثالية تجمع بين البحث العلمي والممارسة الميدانية، وهو ما أثار إعجاب الطلاب والأساتذة المرافقين من الجانب الصيني، الذين أشادوا بدقة التنظيم وعمق المحتوى المعرفي المقدم.
محاضرات نوعية وورش عمل بأيدي كبار علماء الآثار والهندسة
عقب الجولة الميدانية، استكمل الطلاب برنامجهم لمدة أسبوعين داخل الحرم الجامعي العريق لجامعة القاهرة، حيث تلقوا سلسلة من المحاضرات التخصصية وورش العمل التطبيقية التي أدارها نخبة من ألمع أساتذة الجامعة من كليتي الآثار والهندسة.
وقد شارك في تقديم هذا البرنامج العلمي الدكتور طارق توفيق، والدكتور محسن أبو النجا، والدكتورة علا العجيزي، والدكتورة إيمان خليفة، والدكتورة غادة الجميعي.
وتناولت المحاضرات موضوعات بالغة الأهمية في علم المصريات، وأحدث أساليب الترميم المتبعة عالميًا، وطرق توثيق المواقع الأثرية باستخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى دراسة العمارة المصرية القديمة من منظور هندسي حديث، مما وفر للطلاب رؤية شاملة وتكاملية تجمع بين التاريخ والتكنولوجيا والعلوم التطبيقية.
تنوع الشراكات الدولية: من الصين شرقًا إلى ألمانيا غربًا
في سياق متصل يعكس شمولية التوجه الدولي للجامعة، لم يتوقف التعاون عند الجانب الصيني فحسب، بل امتد ليشمل القارة الأوروبية من خلال قسم العمارة بكلية الهندسة ومكتب العلاقات الدولية. فقد نظمت الجامعة مدرسة شتوية موازية بالتعاون مع جامعة "لوبيك" الألمانية، شارك فيها لفيف من الطلاب والأساتذة في برنامج علمي مكثف شمل محاضرات وزيارات ميدانية متخصصة.

هذا التنوع في الشراكات الدولية يؤكد أن جامعة القاهرة أصبحت وجهة مفضلة للتعاون الأكاديمي العالمي، وقدرتها على صياغة برامج مشتركة تلبي احتياجات الطلاب من مختلف الخلفيات الثقافية، وتساهم في تبادل الخبرات وبناء شبكات تعاون علمي مستدام يسهم في رفع تصنيف الجامعة العالمي وتعزيز تنافسية خريجيها وباحثيها على المستوى الدولي.
تدويل التعليم والتحول نحو العالمية في جامعة القاهرة
تأتي هذه الفعاليات والمدارس الشتوية في إطار رؤية شاملة تتبناها إدارة جامعة القاهرة نحو "تدويل التعليم"، وهي عملية تهدف إلى دمج الأبعاد الدولية والعالمية في صياغة البرامج الأكاديمية والبحثية.
إن هذه الخطوات تسهم في بناء جسور التعاون العلمي والثقافي المستدام، وتجعل من الجامعة منصة لانصهار الخبرات الدولية.
ومن خلال استضافة طلاب من جامعات مصنفة عالميًا مثل "شنغهاي جياو تونج" و"لوبيك"، تثبت جامعة القاهرة أنها تمتلك الأدوات العلمية والكوادر البشرية القادرة على قيادة المشهد التعليمي في المنطقة، مع الالتزام بتطوير برامج أكاديمية مشتركة تخدم قضايا التراث والهندسة والتنمية المستدامة، بما يتماشى مع رؤية مصر 2030 وتوجهات الدولة نحو الاستثمار في اقتصاد المعرفة.
