رامز جلال في ميزان 2026.. هل ينجح "ليفل الوحش" في تجديد دماء برامج الكاميرا الخفية؟

من برنامج رامز ليفل
من برنامج رامز ليفل الوحش

منذ عام 2011، لم يتنازل الفنان رامز جلال عن عرش الصدارة في الموسم الرمضاني، حيث حجز برنامجه السنوي مكانة "وقت الذروة" التي لا تُنازع، محولًا شاشات "إم بي سي مصر" إلى الوجهة الأولى لملايين المشاهدين لحظة انطلاق مدفع الإفطار، وتأتي نسخة هذا العام تحت عنوان "رامز ليفل الوحش" لتؤكد أن الصيغة التي بدأت بـ "رامز قلب الأسد" ومرت بـ "عنخ آمون" و"نيفر إند" لا تزال تمتلك القدرة على جذب الانتباه رغم كل الاتهامات بالتكرار، وتعتمد هذه الصيغة على ثوابت لا تتغير؛ ضيف مشهور، مقلب يتصاعد تدريجيًا، لحظات فوضى وصراخ مكثفة، ثم الكشف الحقيقة مع توجيه الشكر المعتاد لرئيس هيئة الترفيه السعودية تركي آل الشيخ، إن هذا التحول من مجرد برنامج كاميرا خفية إلى "تقليد سنوي" يشبه فوازير الثمانينيات، جعل من رامز جلال عنصرًا ثابتًا في طقوس المشاهدة الرمضانية، حيث يُنتظر بشغف يتجاوز أحيانًا انتظار المسلسلات الدرامية الكبرى، وتُنسج حوله الشائعات والميمز قبل انطلاقه بأسابيع طويلة.

ولا يمكن فهم استمرارية هذا البرنامج دون النظر إلى "ألفة الطقس" التي يوفرها للمشاهدين؛ ففي شهر يعتمد كليًا على الثوابت مثل الصيام والصلوات والتجمعات العائلية، يصبح وجود رامز جلال على مائدة الإفطار نوعًا من "البنية الزمنية" المألوفة التي تمنح المشاهد قدرًا من الطمأنينة النفسية، فالجمهور لا يبحث بالضرورة عن محتوى يتطلب التركيز العالي، بل يبحث عن "ضجيج خلفي" مألوف يرافق طقس الأكل الاجتماعي، وهنا تبرز شعبية البرنامج ليس فقط في أرقام المشاهدة التلفزيونية، بل في نسب المتابعة الرقمية عبر منصة "شاهد"، حيث يتحول المحتوى إلى مادة للاستهلاك السريع وإعادة التدوير عبر منصات التواصل الاجتماعي، مما يضمن له البقاء في واجهة المشهد الإعلامي العربي عامًا بعد عام، بغض النظر عن جودة المحتوى أو مدى مصداقيته التي تظل محل شك دائم لدى شريحة واسعة من الجمهور.

المشاهدة بدافع الكراهية.. لماذا تزيد انتقادات "التحرش" والتنمر من نجاح برنامج رامز جلال؟

يتكرر في كل عام جدل مألوف حول الحدود الأخلاقية لبرنامج رامز جلال، حيث تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي بالانتقادات الموجهة لنمط البرنامج، وتكراره، والشكوك في مصداقيته، وقد مثل الموسم الحالي "رامز ليفل الوحش" نموذجًا فجًا لهذه الإشكاليات، خاصة في الحلقة الأولى التي استضافت الممثلة أسماء جلال، حيث اعتبر الكثير من المتابعين أن الإيحاءات والكلام الموجه إليها قد لامس حدود "التحرش"، ومع ذلك، يواصل الجمهور المشاهدة بنهم، وهو ما يُعرف بظاهرة "المشاهدة بدافع الكراهية" (Hate-watching)، حيث يتابع الناس المحتوى لا لإعجابهم به، بل لرفضه والسخرية منه، وفي اقتصاد الفضاء الرقمي المعاصر، لا يُعد الغضب أو الاستياء مؤشرًا سلبيًا، بل هو وقود إضافي لدورة الانتشار والظهور؛ فالمشاركة والنقد والتفاعل، أيًا كان نوعها، هي العملة الحقيقية التي تضمن بقاء البرنامج في الصدارة، وتحوله إلى مادة خصبة لإنتاج "الميمز" والتعليقات الساخرة.

إن هذا النوع من التفاعل يعكس تحولًا عميقًا في علاقة الجمهور بما يستهلكه؛ فالمشاهد لم يعد ساذجًا، بل يدرك تمامًا أن ما يراه قد يكون "مفبركًا" أو معدًا سلفًا، ومع ذلك يختار التواطؤ مع اللعبة، ويستمتع برؤية "اهتزاز الهرمية الاجتماعية" ولو بشكل مؤقت، فرؤية نجم واثق ومشهور وهو في حالة ذعر وتوسل، تصرخ وتشتم وتطلب النجدة، تولد نوعًا من التنفيس أو التفريغ النفسي لدى المشاهد، خاصة في المجتمعات التي تتسع فيها الفجوة الطبقية، حيث يمنح البرنامج "لذة رمزيّة" في رؤية صاحب النفوذ أو الشهرة في موقع ضعف ومكشوف أمام الكاميرات، حتى لو كان هذا الضعف محاطًا بشروط إنتاجية تضمن سلامة الضيف في نهاية المطاف، إنها تسوية مؤقتة للكفة تنتهي دائمًا بضحكة رامز جلال المعتادة وإعلان نهاية المقلب.

سلافوي جيجك والضحك المعلب.. كيف يستهلك الجمهور "الاصطناع" في برامج رامز جلال؟

لم تعد مسألة المصداقية هي المحرك الأساسي لمتابعة برامج المقالب، فبالرجوع إلى نظريات الفيلسوف سلافوي جيجك حول "الضحك المعلب"، نجد أن الجمهور لا يحتاج إلى الإيمان الصادق بالحدث لكي يستمتع به، فكما أن الضحك المسجل في مسلسلات "السيتكوم" يضحك نيابة عن المشاهد، فإن برنامج رامز جلال يقدم "صدمة واندهاشًا معلبًا" يقوم به الضيوف نيابة عن الجمهور، ونحن أمام "وعي ساخر" (Cynical Awareness) يتعايش مع التزييف ويقبله كجزء من شروط اللعبة، فالمشاهد لا يستهلك "صدق الحدث"، بل يستهلك "العرض برمته"، والأداء هو ما يضمن استمرار الجاذبية، وليس الأصالة، لقد تطبع الإنسان المعاصر مع فكرة أن ما يراه في البيئة الإعلامية هو "محاكاة" للواقع وليس الواقع نفسه، تمامًا كما أشار الفيلسوف جان بودريار حين قال إن الصورة أصبحت أقوى من الأصل.

وفي زمن الفلاتر والذكاء الاصطناعي و"التزييف العميق" (Deepfake)، أصبح الشك جزءًا أصيلًا من عملية التلقي اليومية، فالمشاهد يدرك أن "الفيديوهات العفوية" للمؤثرين تُعد بعناية، وأن برامج رامز جلال قد تكون متفقًا عليها مسبقًا، ومع ذلك يمضي في المشاهدة، لأن السؤال لم يعد "هل هذا حقيقي؟"، بل أصبح "هل هذا يثير ردة فعل؟"، إن قدرة برنامج رامز على العمل داخل هذا المناخ الثقافي الجديد، وتوفير مادة قابلة للتداول والجدل والانتشار، هي السر الحقيقي وراء حياته الطويلة، فهو يقدم تجربة متكاملة يكون فيها حضور "النجم" والمحتوى القابل للمشاركة هو الأساس، بينما تتراجع أهمية "الحقيقة" لتصبح عنصرًا ثانويًا في مشهد بصري يعتمد كليًا على الإبهار والضجيج والدهشة المصطنعة.

مستقبل برامج المقالب في ظل التطور التقني.. هل ينجح رامز جلال في الصمود حتى نهاية العقد؟

في ختام هذا التحليل، يظهر أن رامز جلال ليس مجرد مقدم برامج مقالب، بل هو ظاهرة سوسيولوجية تعكس تحولات الذوق العام وآليات اقتصاد الانتباه في العصر الرقمي، إن صموده لقرابة عقد ونصف العقد يؤكد أن "الخلطة السحرية" التي يتبعها لا تزال فعالة رغم كل الانتقادات الأخلاقية والفنية، ومن المتوقع أن تستمر شعبية "رامز ليفل الوحش" طوال شهر رمضان 2026، مدعومة بقوة انتشار منصة "شاهد" وتصدره الدائم للتريند، ويبقى السؤال الوحيد المفتوح هو: إلى متى سيظل الجمهور راضيًا بهذا النوع من التواطؤ؟ وهل سيأتي يوم يمل فيه المشاهد من "التزييف المنظم" بحثًا عن تجارب أكثر أصالة وصدقًا؟ حتى ذلك الحين، سيظل رامز جلال هو "البعبع" المحبوب والمكروه في آن واحد، والذي لا يكتمل إفطار ملايين الأسر العربية بدونه.

صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وكل عام وأنتم بخير بمناسبة هذا الشهر الفضيل، ونتمنى لجميع المشاهدين متابعة نقدية واعية لا تنجرف خلف "الضجيج" بل تبحث عن المعنى والجمال في الأعمال الدرامية الهادفة، ومع استمرار رامز في تقديم كل ما هو غريب ومثير، سنظل نراقب كيف تتطور علاقة المشاهد العربي مع "الشاشة" في زمن أصبح فيه الحقيقي والمزيف وجهين لعملة واحدة تسمى "التريند"، وندعوكم دائمًا للتفكر في قيمة الوقت الذي نقضيه أمام الشاشات، واختيار ما يغني عقولنا ويرتقي بأذواقنا الإنسانية والفنية.