هل يفسد النوم الوضوء؟ الدكتور علي جمعة يفصل بين النوم الخفيف والعميق شرعًا
أثار الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، اهتمامًا واسعًا بتوضيحاته الفقهية حول الأمور التي تنقض الوضوء، مؤكدًا على ضرورة فهم المسلم للدقائق الشرعية التي تضمن صحة عبادته وطهارته، وفي حديثه الشامل عبر برنامج «اعرف دينك» المذاع على قناة صدى البلد، استعرض جمعة جملة من الأحكام التي اتفقت عليها الأمة إجماعًا، مشددًا على أن الطهارة هي مفتاح الصلاة، وأن معرفة ما يفسدها هو جزء لا يتجزأ من العلم بالدين، وأوضح فضيلته أن هناك نواقض حسية مباشرة تخرج من السبيلين مثل الريح ورطوبات الفرج، وهناك نواقض معنوية أو حالات تُنزل منزلة الناقض بسبب احتمالية وقوع الحدث فيها دون شعور الإنسان، وهو ما يُعرف في الفقه الإسلامي بقاعدة "تنزيل المظنة منزلة المئنة"، حيث يُعتبر النوم العميق وفقدان الوعي من المظان القوية التي توجب إعادة الوضوء احتياطًا للعبادة.
إن الغرض الأساسي من هذه التفاصيل الشرعية هو تمكين المسلم من أداء صلاته على بصيرة ويقين، فالدين الإسلامي يراعي أحوال المكلفين ويوضح لهم متى ينتقل المرء من حالة الطهارة إلى حالة الحدث، ويؤكد الدكتور علي جمعة أن الوعي بهذه الأحكام يرفع الحرج عن المسلمين ويمنع الوساوس التي قد تصيب البعض حول صحة وضوئهم من عدمها، فالتفرقة بين النوم الذي ينقض والنم الذي لا ينقض تعتمد بشكل أساسي على درجة الإدراك والسيطرة على ملكات الجسد، وهو ما يعكس مرونة الشريعة الإسلامية ودقتها في معالجة الحالات البشرية المختلفة، سواء كانت حالات طبيعية كالنوم أو حالات عارضة كالإغماء وفقدان الوعي الكامل، مما يجعل المسلم دائم الارتباط بوضوئه وصيانتة وفق هدي النبي ﷺ وإجماع فقهاء الأمة.
التفرقة بين النوم الخفيف والعميق وأثرهما على صحة الوضوء وفقًا للشريعة الإسلامية
فصل الدكتور علي جمعة في مسألة النوم وأثرها على الوضوء بشكل دقيق، حيث أشار إلى أن النوم العميق هو الحالة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته الكاملة على أعصابه وجسده، مما يجعله لا يشعر بما قد يخرج منه من ريح أو غيره، ولذلك يُعد النوم العميق ناقضًا للوضوء لأنه يحمل احتمالية عالية لخروج شيء من الإنسان دون إدراك، وهو ما أسماه "تنزيل المظنة"، أي أننا نظن وقوع الحدث في هذه الحالة فنوجب الوضوء حمايةً لصحة الصلاة، وفي المقابل، أوضح جمعة أن النوم الخفيف الذي لا يغيب فيه وعي الإنسان بالكامل، كأن يكون مستجيبًا للأوامر أو يشعر بما يدور حوله أو يدرك الأصوات المحيطة به، لا ينقض الوضوء، لأن صاحبه في هذه الحالة يكون مسيطرًا على مخارجه ويشعر لو خرج منه شيء، مما يجعل اليقين بالطهارة باقيًا ولا يزول بمجرد النعاس أو الغفوة اليسيرة.
وأضاف عضو هيئة كبار العلماء أن المعيار في نقض الوضوء بالنوم هو "التمكن"، فالمتمكن من مقعدته على الأرض في وضعية تمنع خروج شيء دون شعور قد يختلف حكمه عن المضطجع، ولكن النوم العميق الذي يغيب فيه الحس والسمع هو الناقض بالاتفاق، وتهدف هذه التوضيحات إلى تبسيط المسائل الفقهية للجمهور، حيث يقع الكثيرون في حيرة عند النعاس أثناء خطبة الجمعة أو أثناء انتظار الصلاة، فجاءت فتوى الدكتور علي جمعة لتضع حدًا فاصلًا: إذا كنت تشعر بمن حولك وتستطيع الاستجابة لو ناداك أحد فوضوؤك صحيح، أما إذا غبت في سبات عميق بحيث لا تدري عما حولك شيئًا، فعليك إعادة الوضوء قبل الشروع في الصلاة، وهذا التفصيل يجمع بين التيسير وبين الاحتياط لواجب الطهارة.
أحكام الوضوء في حالات الإغماء والتخدير وفقدان الإدراك الكامل ومدى وجوب الإعادة
انتقل الدكتور علي جمعة في حديثه إلى حالات أكثر تعقيدًا من النوم، وهي حالات الإغماء وفقدان الوعي الكامل، مؤكدًا أن هذه الحالات تستلزم الوضوء فور الاستيقاظ أو العودة للوعي، والعلة الشرعية هنا تكمن في أن فقدان الوعي يزيل التمييز تمامًا، ويجعل الجسد في حالة من الاسترخاء الكلي التي لا يمكن معها الجزم ببقاء الطهارة، فالإغماء أقوى في ذهاب العقل والإدراك من النوم، وبالتالي فإن احتمالية خروج شيء أثناء الإغماء هي مظنة قوية جدًا توجب الوضوء، وينطبق هذا الحكم أيضًا على حالات التخدير الكلي أو الغيبوبة المؤقتة، حيث يجب على المسلم بمجرد استعادة وعيه أن يتوضأ إذا أراد الصلاة، لأن الأصل في العبادات هو اليقين، واليقين بالطهارة ينتقض بمثل هذه الغيبوبات التي ترفع التكليف والإدراك المؤقت عن العبد.
وأشار جمعة إلى أن هذه الأحكام تستند إلى إجماع العلماء والفقهاء عبر العصور، حيث استقر العمل على أن كل ما يزيل العقل أو يغيبه هو من نواقض الوضوء، سواء كان ذلك بمرض كالإغماء، أو بنوم ثقيل، أو بغير ذلك، وهذا التأصيل الفقهي يحفظ للمسلم هيبة الصلاة وقدسيتها، إذ لا يصح الوقوف بين يدي الله إلا في أكمل حالات الطهارة واليقين، ويشدد الدكتور علي جمعة على أن الغرض من إثارة هذه المسائل في برنامجه هو رفع الوعي الديني العام، وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي قد تتداول بين الناس دون استناد لأصل شرعي صحيح، فالدين علم، وأخذه من أهله وكبار علمائه هو السبيل الوحيد لضمان صحة المعتقد والعمل، خاصة في قضايا العبادات اليومية التي تتكرر خمس مرات في اليوم والليلة.
استعراض النواقض الحسية المجمع عليها ودورها في الحفاظ على صحة العبادة اليومية
إلى جانب حالات غياب الوعي، أكد الدكتور علي جمعة على النواقض الحسية التي وقع عليها إجماع الأمة، وهي ما يخرج من السبيلين (القبل والدبر)، ومنها خروج الريح الذي يُعتبر ناقضًا صريحًا للوضوء لقول النبي ﷺ: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا"، وكذلك رطوبات الفرج التي تخرج من المرأة، حيث أوضح جمعة التفاصيل المتعلقة بطهارتها ونقضها للوضوء وفقًا للمذاهب الفقهية المعتبرة، إن هذه الأمور وإن كانت طبيعية بشرية، إلا أن الشريعة جعلت منها محطات لتجديد الطهارة والنشاط الروحي، فالوضوء ليس مجرد غسل للأعضاء، بل هو طهور معنوي وحسي يُهيئ النفس للقاء الخالق، ولذلك كان من المهم تحديد هذه النواقض بدقة حتى لا يقع المسلم في حرج أو شك أثناء صلاته.
ويوضح الدكتور علي جمعة أن هذه الأحكام هي مما عُلم من الدين بالضرورة في باب العبادات، وأن على كل مسلم ومسلمة تعلمها لضمان صحة الصيام والصلاة والطواف وغيرها من العبادات التي تشترط الطهارة، وأكد أن برنامج «اعرف دينك» يهدف إلى تبسيط هذه العلوم ونقلها من بطون الكتب إلى وعي الناس بأسلوب عصري يحافظ على الثوابت ويراعي المتغيرات، فالهدف هو تمكين المسلم من ممارسة شعائره بطريقة صحيحة تتماشى مع مقاصد الشريعة في التيسير ورفع الحرج، مع الالتزام التام بحدود الله وما أجمع عليه كبار العلماء، إن وضوح الرؤية في هذه المسائل يمنح المسلم ثقة في عبادته، ويجعل تركيزه منصبًا على الخشوع والتدبر بدلًا من الانشغال بالشكوك حول طهارته.
منهج الدكتور علي جمعة في التوفيق بين التيسير الفقهي والاحتياط للعبادة في أمور الطهارة
في ختام التقرير، يبرز منهج الدكتور علي جمعة كمنهج وسط يجمع بين التيسير على الناس وبين الاحتياط للعبادة، فبينما ييسر في مسألة النوم الخفيف والنعاس، يحتاط في مسألة النوم العميق والإغماء لضمان براءة الذمة، وهذا التوازن هو جوهر الفقه الإسلامي الذي يراعي الفطرة البشرية ولا يكلف النفس إلا وسعها، ويحث الدكتور علي جمعة المسلمين على ديمومة الوضوء ليس فقط للصلاة، بل كحالة روحية مستمرة تجلب الطمأنينة وتحمي من وساوس الشيطان، مؤكدًا أن العلم بنواقض الوضوء هو وسيلة للوصول إلى كمال الطهارة، ونسأل الله أن ينفعنا بما علمنا، وأن يجعلنا من التوابين والمتطهرين، وأن يرزقنا الفقه في الدين والعمل بمقتضى سنة سيد المرسلين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
