عدد ركعات صلاة التراويح في رمضان 2026.. وهل يجوز الزيادة عن 11 ركعة؟
تعد صلاة التراويح من أسمى العبادات التي يتقرب بها المسلم إلى خالقه في شهر رمضان المبارك، وقد أثيرت تساؤلات كثيرة حول عدد ركعاتها وصفتها الشرعية الصحيحة، وحسب ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، فإن هناك توسعة كبيرة في صلاة الليل ولم يرد نص قطعي يحدد عدد ركعات لا تجوز الزيادة عليها أو النقصان منها، بل إن السنة الثابتة في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما تؤكد أن صلاة الليل "مثنى مثنى"، وهذا الخبر يحمل في طياته أمرًا نبويًا صريحًا بأن يسلم المصلي من كل ركعتين، فإذا خشي المرء دخول وقت صلاة الفجر بادر بصلاة ركعة واحدة توتر له ما قد صلى، وهذه القاعدة النبوية هي الأساس الذي تُبنى عليه صلاة التراويح في رمضان وغيره من الشهور، حيث كان المصطفى ﷺ يطبق هذا المنهج فعليًا في صلاته، وهو ما نقله أمهات المؤمنين والصحابة الأجلاء بكل دقة وأمانة ليكون نبراسًا للأمة في كيفية التعبد والقيام الخاشع.
وفي تفصيل ذلك، روت السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ كان يصلي من الليل عشر ركعات، يسلم من كل اثنتين، ثم يوتر بواحدة، كما أكدت في موضع آخر أنه ﷺ ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، حيث كان يصلي أربعًا بطول وحسن لا يوصف، ثم يتبعهن بأربع مماثلة، ثم يختم بثلاث ركعات، وقد يظن البعض خطأً أن هذه الأربع تؤدى بسلام واحد، إلا أن التحقيق الفقهي يشير إلى أنه كان يسلم من كل اثنتين استنادًا لقوله "صلاة الليل مثنى مثنى"، كما ثبت عنه أيضًا صلاة ثلاث عشرة ركعة في بعض الليالي، مما يدل على أن العدد الأفضل والأصح هو إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة، وهذا العدد هو الأرفق بجسم الإنسان والأعون للإمام والمصلين على تحقيق الخشوع والتدبر في آيات الله دون عجلة، مما يجعل الصلاة عبادة روحية تسمو بالروح وتغذي القلب في ليالي رمضان العامرة بالذكر.
فعل الصحابة والتابعين
على الرغم من أن الهدي النبوي الأغلب كان يميل إلى إحدى عشرة ركعة، إلا أن عهد الصحابة رضي الله عنهم، وتحديدًا في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، شهد نوعًا من التوسعة المشروعة التي أقرتها الأمة، فقد ثبت عن عمر والصحابة أنهم أوتروا في بعض ليالي رمضان بإحدى عشرة ركعة، وفي أحيان أخرى صلوا ثلاثًا وعشرين ركعة، وهذا التنوع في العدد لم يكن خروجًا عن السنة، بل هو فهم عميق لقول النبي ﷺ بأن صلاة الليل مثنى مثنى دون حد ثابت، فقد كان الصحابة يطيلون القراءة في عدد الركعات القليل، فإذا أرادوا التخفيف عن الناس في طول القيام زادوا في عدد الركعات وقصروا في القراءة، مما يثبت أن الأمر واسع ولا حرج في تنويع العدد حسب طاقة المصلين وقدرتهم على التحمل، فالغرض الأساسي هو إحياء ليل رمضان بالقرآن والقيام سواء كان ذلك في إحدى عشرة أو ثلاث وعشرين ركعة.
وتجدر الإشارة إلى أن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت من أفقه النساء وأعلمهن بسنة الرسول ﷺ، وقد نقلت لنا أغلب أحواله في بيته، وأوضحت أن مرادها من عدم زيادته عن إحدى عشرة ركعة كان يمثل الأغلب من حاله، ولكن ثبوت صلاته لثلاث عشرة ركعة في مواضع أخرى يؤكد أن التنويع سنة متبعة، ويجوز للإمام في رمضان أن يصلي في بعض الليالي عددًا وفي بعضها الآخر عددًا آخر لبيان الجواز والتوسعة على الناس، والواجب الشرعي يقتضي أن تظل الصلاة قائمة على مبدأ "الاثنتين اثنتين"، فلا يجوز صلاة أربع ركعات بسلام واحد لأن ذلك يخالف الأمر النبوي الصريح، بينما أجاز العلماء سرد خمس أو ثلاث ركعات في الوتر بسلام واحد في بعض الحالات التي فعلها النبي ﷺ لبيان الجواز، مع بقاء الأفضلية التامة للتسليم من كل ركعتين تيسيرًا على من له حاجة أو عذر.
صفة الوتر الصحيحة
من المسائل الهامة في صلاة التراويح هي كيفية الختام بصلاة الوتر، حيث يفضل أن يسلم المصلي من كل ركعتين ويوتر بواحدة في نهاية صلاته، وهو الأسلوب الأرفق بالناس والأكثر اتباعًا للسنة القولية والفعلية، أما سرد خمس ركعات أو سبع بسلام واحد وجلسة واحدة في التشهد الأخير فقد ورد عنه ﷺ وفعله أحيانًا، كما جاء عنه سرد تسع ركعات مع الجلوس للتشهد الأول في الثامنة ثم القيام للتاسعة، وهذه كلها صور صحيحة تدل على سعة الشريعة، إلا أن النهي قد ورد صراحة عن "تشبيه صلاة الوتر بصلاة المغرب"، فلا ينبغي للمصلي أن يصلي ثلاث ركعات بتشهدين وسلام واحد كالمغرب، بل الأفضل إما سرد الثلاث بسلام واحد وجلسة واحدة، أو الفصل بين الشفع والوتر بسلام، وهو الأكمل والأحوط لتجنب الكراهة والتشبه بفرائض النهار.
ويؤكد العلماء أن الإمام في صلاة التراويح يجب أن يراعي أحوال الضعفاء وكبار السن، فلا يطيل إطالة تشق عليهم، ولا يخفف تخفيفًا يخل بأركان الصلاة من ركوع وسجود وطمأنينة، فالسنة في القراءة هي الترتيل والتدبر، والعدد القليل مع الإحسان أفضل من العدد الكثير مع الهذرمة والعجلة، فإذا صلى الناس إحدى عشرة ركعة بخشوع تام وقراءة متأنية، فقد أصابوا كبد السنة، وإن زادوا لنشاط وجدوه في أنفسهم فلا إنكار عليهم، فالأمر يرجع في النهاية إلى ما يفتح الله به على عباده من طاقة في القيام، مع الحذر من المبالغات التي قد تؤدي إلى ترك الصلاة بالكلية أو الشعور بالثقل تجاهها، فدين الله يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، وصلاة التراويح هي فرصة سنوية لتجديد الإيمان وترسيخ صلة العبد بربه من خلال محراب الصلاة وسكينة الليل.
خلاصة أحكام التراويح
في ختام هذا التقرير الشامل، يتبين لنا أن صلاة التراويح هي عبادة مرنة في عدد ركعاتها، حيث يترواح الهدي النبوي فيها بين إحدى عشرة وثلاث عشرة ركعة، مع جواز الزيادة إلى ثلاث وعشرين ركعة كما فعل الصحابة الكرام، والقاعدة الذهبية هي "مثنى مثنى" مع ختم الصلاة بركعة وتر واحدة، ويجب على المسلم في رمضان 2026 أن يحرص على أداء هذه الصلاة مع الإمام حتى ينصرف ليُكتب له أجر قيام ليلة كاملة كما ورد في الحديث، وسواء كان المصلي يؤدي صلاته في المسجد خلف إمام أو منفردًا في بيته، فإن العبرة ليست بمجرد حركات البدن، بل بحضور القلب واستشعار عظمة الوقوف بين يدي الله، والتزام الآداب النبوية في الفصل بين الركعات وعدم العجلة، وتجنب الصور المكروهة في الوتر التي تشبه صلاة المغرب، ليكون الصيام والقيام مقبولين وموافقين لهدي خير الأنام ﷺ.
إن فهم هذه الأحكام يزيل اللبس ويمنع الخلاف في المساجد حول عدد الركعات، فالكل مصيب ما دام متبعًا للأصل الشرعي في قيام الليل، ونسأل الله العلي القدير أن يعيننا على صيام رمضان وقيامه، وأن يجعل صلاة التراويح سببًا في رفعة درجاتنا ومحو سيئاتنا، وأن يرزقنا الخشوع في كل ركعة وسجدة، فالتوفيق للعلم والعمل هو أجل نعم الله على عبده في هذا الشهر الفضيل، وليكن شعارنا دائمًا هو الاتباع لا الابتداع، والحرص على ما كان يفعله النبي ﷺ وأصحابه الغر الميامين، لتظل صلاة التراويح شعيرة حية تنبض بالروحانية والجمال في بيوت الله وفي قلوب المؤمنين في كل زمان ومكان.
