كيف تجعل أذكار الصباح عادة يومية لا تنقطع؟ نصائح وفوائد

اذكار الصباح
اذكار الصباح

حثَّ الشرع الشريف على الإكثار مِن الذكر على الوَجهِ الذي يعُم كلَّ الأوقاتِ وأنواعِ الذكر، حيث جعل الله عز وجل ذكرَه وسيلةً لطمأنينة القلوب ورفعة الدرجات في الدنيا والآخرة، فقال سبحانه في محكم التنزيل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾، وهذا الأمر الإلهي لم يأتِ مقيدًا بهيئة أو عدد معين، بل جاء مطلقًا ليشمل قيام الإنسان وقعوده وعلى جنبه، ليكون العبد دائمًا في كنف الخالق ومعيته، مما يضفي على حياته نوعًا من السكينة التي لا يجدها في غير طاعة الله، فالذكر هو حياة القلوب وقوت الأرواح وبدونه تصبح النفس جافة هائمة في صحراء الماديات.

ومِن الوظائف الشرعيَّة المطلوبة التي رتب عليها الشارع الحكيم أجورًا عظيمة هي أذكارُ طرفي النهار، أي الصباح والمساء، لقوله تعالى عقبَ الأمر بذكرِهِ على جهةِ العموم: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، والصباح هو بداية الانطلاق للسعي في الأرض وطلب الرزق، بينما المساء هو وقت السكون والإيواء، لذا كان من فضل الله على عباده أن شرع لهم ما يحميهم في حركتهم وما يؤمنهم في سكونهم، وتعتبر أذكار الصباح بمثابة "الدرع الواقي" الذي يرتديه المسلم قبل خروجه لمواجهة تحديات الحياة، وهي تجديد للعهد مع الله واستعانة به على قضاء الحوائج ببركة الاستفتاح بذكره وتسبيحه وتقديسه.

أنوار الآيات القرآنية

تبدأ أذكار الصباح بآيات من القرآن الكريم التي تمثل قمة التوحيد واللجوء إلى القوة الإلهية، وعلى رأسها آية الكرسي: {اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يؤوده حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم}، فهذه الآية العظيمة تملأ قلب المؤمن يقينًا بأن تصريف الكون كله بيد الله وحده، وأنه لا غافل ولا نائم عن حمايته، ثم تأتي المعوذات وسورة الإخلاص لتكمل هذا التحصين، فيقرأ المسلم "قل هو الله أحد" ثلاثًا، و"قل أعوذ برب الفلق" ثلاثًا، و"قل أعوذ برب الناس" ثلاثًا، ليكون في مأمن من شرور الخلق، ومن وسواس الشيطان، ومن شر الحاسدين والسحرة، ومن كل سوء قد يطرأ في يومه.

مأثورات السنة النبوية

بعد تلاوة الآيات، ينتقل المسلم إلى الأدعية النبوية المأثورة التي تعزز صلة العبد بربه، ومنها قولنا: "أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ربِّ أسألك خير ما في هذا اليوم وخير ما بعده وأعوذ بك من شر ما في هذا اليوم وشر ما بعده ربِّ أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، ربَّ أعوذ بك من عذابٍ في النار وعذاب في القبر"، وهذا الدعاء يجمع بين الاعتراف بتفرد الله بالملك والحمد، وبين طلب الخير في الحاضر والمستقبل والاستعاذة من آفات النفس كالكسل، ومن آفات المصير كعذاب القبر والنار، مما يجعل المسلم متوازنًا في دعائه بين مطالب الدنيا ومخاوف الآخرة.

ويأتي "سيد الاستغفار" كأعظم صيغة يطلب بها العبد العفو من ربه، حيث يقول: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خَلَقتني وأنا عَبْدُك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت وأعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت"، ومن قالها موقنًا بها حين يصبح فمات من يومه دخل الجنة، وهذا يوضح مدى أهمية حضور القلب أثناء الذكر، كما يشرع للمسلم أن يشهد الله وملائكته وحملة عرشه على توحيده بقوله: "اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك، وملائكتك وجميع خلقك، أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدًا عبدك ورسولك" أربع مرات، طلبًا للعتق من النار بفضل هذه الشهادة الصادقة.

أدعية العافية والتحصين

لا تخلو أذكار الصباح من طلب العافية الشاملة في البدن والحواس، فيردد المسلم: "اللهم عافني في بَدَني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت" ثلاثًا، ويتبعها بالاستعاذة من الكفر والفقر، فالصحة هي رأس مال الإنسان في طاعة ربه، والفقر قد يكون مدعاة لفتنة النفس، لذا يجمع المسلم بين طلب الصحة والاستغناء بالله عن خلقه، كما يكرر "حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم" سبع مرات، ليقينه بأن الله سيكفيه ما أهمه من أمور الدنيا والآخرة، ويسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والأهل والمال، ويطلب الستر والحفظ من الجهات الست في دعاء شامل يبعث على الطمأنينة الكاملة.

وعندما تشتد الأزمات أو تتسارع وتيرة الحياة، يجد المؤمن ملاذه في قوله: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كُله ولا تَكِلْني إلى نفسي طرفة عين"، فهذا الدعاء يمثل قمة الافتقار إلى الله والاعتراف بأن الإنسان مهما بلغت قوته فهو ضعيف لا يستغني عن مدونة خالقه للحظة واحدة، كما يحصن المسلم نفسه من شرور الشياطين والإنس بقوله ثلاثًا: "بسم الله الذي لا يضرُّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم"، وبقوله: "رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا"، وهذا الرضا هو مفتاح السعادة الحقيقية في الدنيا والسبيل لنيل رضا الله عز وجل يوم القيامة.

الذكر كمنهج حياة

إن الاستمرار على التسبيح والتحميد يفتح أبواب الأرزاق ويطهر القلوب، فقول "سبحان الله وبحمده" مائة مرة يمحو الخطايا وإن كانت مثل زبد البحر، وقول "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" مائة مرة تكون حرزًا للمسلم من الشيطان طوال يومه، ولا ينسى الذاكر أن يختم أذكاره بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم "عشر مرات" لرد الجميل لصاحب الشفاعة، وبالاستغفار مائة مرة، وبسؤال الله العلم النافع والرزق الطيب والعمل المتقبل، فهذه الثلاثية هي أعمدة النجاح في حياة أي إنسان، وبذلك يكون المسلم قد استفتح يومه بجرعة إيمانية كافية لتجعل يومه كله بركة وخيرًا.