تحري الهلال في عصر الفضاء: كيف تساهم الأقمار الصناعية في دقة تحديد غرة رمضان؟
تعتبر عملية التحقق من رؤية هلال شهر رمضان المبارك لعام 2026 واحدة من أهم الأحداث التي تترقبها الأمة الإسلامية، حيث تعتمد عليها بداية أعظم فريضة سنوية. وتتم هذه العملية وفق بروتوكول دقيق يجمع بين النص الشرعي القائم على "الرؤية البصرية" وبين الحسابات الفلكية القطعية.
وبحسب الأعراف المتبعة، يتم التحري في يوم 29 من شهر شعبان، حيث تجتمع اللجان الشرعية والعلمية في أماكن مرتفعة وبعيدة عن التلوث الضوئي، مستخدمة أحدث أجهزة "الثيودوليت" والمناظير الفلكية لرصد خيط النور الرفيع الذي يمثل ولادة الهلال الجديد. إن هذا الدمج بين الرؤية بالعين المجردة وبين الحسابات العلمية يهدف إلى ضمان أقصى درجات الدقة واليقين، وتجنب الأخطاء البشرية التي قد تحدث نتيجة توهم الرؤية أو وجود عوائق جوية مثل السحب والأتربة التي قد تحجب الهلال عن الأنظار.
الآلية الشرعية والارتباط بالسُنة النبوية
تستند عملية التحقق من الهلال في مقامها الأول إلى الهدي النبوي الشريف في قوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا".
ومن هذا المنطلق، تقوم دور الإفتاء والمحاكم العليا في الدول الإسلامية بتشكيل لجان شرعية تضم علماء دين وقضاة مشهود لهم بالعدالة والضبط. وتنتشر هذه اللجان في مواقع جغرافية مدروسة بعناية (مناطق الرصد)، حيث ينتظرون لحظة غروب شمس يوم التاسع والعشرين من شعبان. فإذا تمت رؤية الهلال بعد غروب الشمس ولو للحظات بسيطة وبشهادة عدلين، يتم إعلان بداية الشهر. أما في حالة تعذر الرؤية بسبب الظروف الجوية أو لأن القمر غرب قبل الشمس، فإن القاعدة الفقهية تقضي بإكمال شهر شعبان ثلاثين يومًا، وهو ما يضمن وحدة المسلمين في أداء العبادة وتجنب الفرقة في تحديد الأيام المباركة.
التطور التقني ودور المراصد الفلكية 2026
في عام 2026، لم تعد الرؤية البصرية قاصرة على العين المجردة فحسب، بل أصبحت تعتمد بشكل كبير على "المراصد الفلكية الرقمية" التي تستخدم تقنيات التصوير الفلكي المتقدمة (CCD Imaging).
هذه التقنيات تسمح برؤية الهلال حتى في وضح النهار في بعض الأحيان أو في الظروف الجوية الصعبة عبر معالجة الصور رقميًا لتمييز ضوء الهلال الضعيف عن ضوء السماء المحيط به. وتعمل المراصد العالمية مثل مرصد "حلوان" في مصر ومراصد "تمير وسدير" في السعودية بالتنسيق مع مراكز علوم الفضاء لتحديد إحداثيات الهلال بدقة متناهية، بما في ذلك زاوية الارتفاع والبعد الزاوي عن الشمس (الاستطالة). هذه البيانات العلمية تُقدم للجان الشرعية كدليل استرشادي قطعي، حيث يستحيل شرعًا قبول شهادة رؤية هلال يثبت العلم أنه غرب قبل الشمس، مما يجعل العلم حائط صد قويًا يحمي الشريعة من الأخطاء البشرية.
معايير إمكانية الرؤية واختلاف المطالع
تخضع عملية التحقق لمعايير علمية صارمة تُعرف بـ "معايير إمكانية الرؤية"، وهي حسابات تحدد ما إذا كان الهلال الجديد قابلًا للرصد بالعين أو المنظار بناءً على عمر القمر ومكوثه بعد غروب الشمس. فلكي تتم الرؤية في رمضان 2026، يشترط العلماء عادة أن يمكث الهلال بعد غروب الشمس لمدة لا تقل عن 15 إلى 20 دقيقة، وأن يكون ارتفاعه عن الأفق كافيًا لتجاوز طبقات التلوث الجوي القريبة من الأرض.
وتظهر هنا مسألة "اختلاف المطالع"، حيث قد يُرى الهلال في غرب العالم الإسلامي (مثل دول المغرب العربي) ويتعذر رصده في شرقه، مما يفسر اختلاف بعض الدول في بداية الصيام. ومع ذلك، تتجه الجهود الدولية نحو توحيد التقويم الهجري العالمي عبر التنسيق بين منظمة التعاون الإسلامي والمراكز الفلكية الكبرى لتقليل فجوة الاختلاف وتعزيز الوحدة الروحية للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
تكامل العلم والإيمان في استقبال رمضان
في الختام، يمثل استطلاع هلال رمضان لعام 2026 لوحة فنية تتجلى فيها عظمة التكامل بين الوحي الإلهي والعقل البشري. إن التحقق من الرؤية ليس مجرد إجراء إداري، بل هو شعيرة دينية تعمق صلة المسلم بالكون وخالقه. وبفضل التطور التقني الهائل الذي نعيشه اليوم، أصبحت احتمالات الخطأ في تحديد غرة رمضان شبه معدومة،
حيث يراقب العالم بأسره حركة الأجرام السماوية عبر الأقمار الصناعية والحواسيب العملاقة. ويبقى الإعلان الرسمي الصادر عن المؤسسات الدينية هو المرجعية النهائية التي يلتزم بها المؤمنون، إعلاءً لقيمة الجماعة والطاعة. نسأل الله أن يهل علينا شهر رمضان 2026 بالأمن والإيمان، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يجعل هلاله هلال خير وبركة على البشرية جمعاء.
