ليلة الشك: بروتوكول المحاكم العليا ودور الإفتاء في إعلان ثبوت رؤية هلال رمضان
تعتبر عملية الرؤية الشرعية لهلال شهر رمضان المبارك واحدة من أقدس الشعائر الجماعية التي ينتظرها العالم الإسلامي بأسره، فهي لا تمثل مجرد تحديد لموعد زمني، بل هي إعلان عن بدء أعظم مواسم الطاعات.
تعتمد الرؤية الشرعية في جوهرها على الامتثال للأمر النبوي الشريف "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، وهو ما جعل الفقهاء يجمعون على أن الأصل في إثبات دخول الشهر هو الرؤية البصرية المباشرة.
وتتم هذه العملية في ليلة التاسع والعشرين من شهر شعبان، والتي تُعرف بـ "ليلة الشك"، حيث تخرج لجان التحري الرسمية المكونة من القضاة والفقهاء وخبراء الفلك إلى أماكن مرتفعة وبعيدة عن التلوث الضوئي، محاولين رصد الهلال في الأفق الغربي فور غروب الشمس، في لحظات يمتزج فيها الترقب الروحي بالدقة العلمية.
الشروط الفقهية والشرعية لقبول رؤية الهلال
وضعت الشريعة الإسلامية ضوابط صارمة لقبول شهادة من يدعي رؤية الهلال، لضمان دقة الإعلان وتوحيد الأمة خلف قرار شرعي سليم. ومن أهم هذه الشروط "العدالة" في الشاهد، أي أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا مشهودًا له بالصدق والأمانة، بحيث لا يُقبل ادعاء من عُرف عنه الكذب أو ضعف البصر.
كما تشترط بعض المذاهب الفقهية ضرورة رؤية "جماعة" للهلال إذا كانت السماء صافية، بينما يُكتفى بشاهد واحد عدل في حال وجود غيم أو كدر في الجو عند بعض الفقهاء.
وتخضع هذه الشهادات لتمحيص دقيق من قبل المحاكم العليا أو دور الإفطار، حيث يتم سؤال الشاهد عن مواصفات الهلال الذي رآه، ومكانه بالنسبة للشمس، وارتفاعه عن الأفق، لمطابقة شهادته مع المعطيات العلمية والمنطقية قبل إصدار البيان الرسمي للصوم.
التكامل بين الحساب الفلكي والرؤية البصرية
على الرغم من أن الاعتماد الأول يظل للرؤية البصرية، إلا أن العصر الحديث شهد تكاملًا كبيرًا بين علم الفلك والمؤسسات الشرعية.
فالحسابات الفلكية الدقيقة تلعب دورًا "نافيًا" للرؤية لا "مثبتًا" لها في كثير من القوانين المعاصرة؛ بمعنى أنه إذا أكد الفلكيون أن القمر يغرب قبل الشمس في يوم التحري، فإن المحاكم ترفض أي شهادة بالرؤية لأنها تعتبر مستحيلة علميًا في تلك الحالة.
وتستخدم لجان التحري اليوم التلسكوبات المتطورة والمناظير المزدوجة وتقنيات التصوير الفلكي (CCD) لتحديد موقع الهلال بدقة قبل البحث عنه بالعين المجردة، مما يقلل من هامش الخطأ البشري ويجعل القرار الشرعي مبنيًا على أسس متينة تجمع بين النص الديني والواقع العلمي الملموس.
المعايير العلمية لولادة الهلال وإمكانية الرؤية
تعتمد إمكانية رؤية الهلال شرعًا على عدة معايير فلكية يجب توفرها مجتمعة؛ أولها "الاقتران" أو ولادة الهلال، وهي اللحظة التي يقع فيها القمر بين الأرض والشمس على خط طول واحد.
أما المعيار الثاني فهو "مكث القمر"، أي الفترة الزمنية التي يقضيها القمر فوق الأفق بعد غروب الشمس، وكلما زادت هذه الفترة (عادة ما تُطلب 20 دقيقة فأكثر) زادت فرصة الرؤية.
كما يلعب "عمر الهلال" دورًا حاسمًا، وهو الوقت المنقضي من لحظة الاقتران وحتى لحظة الرصد، بالإضافة إلى "الاستطالة" وهي الزاوية بين الشمس والقمر كما تُرى من الأرض. إذا لم تتوفر هذه المعايير، يصبح الهلال رقيقًا جدًا وقريبًا من وهج الشمس، مما يجعل رؤيته بالعين المجردة أمرًا غير ممكن، حتى لو كان قد "وُلد" فلكيًا.
اختلاف المطالع والوحدة الإسلامية في الصيام
تثور دائمًا تساؤلات حول سبب اختلاف الدول الإسلامية في إعلان بداية شهر رمضان، ويعود ذلك إلى مسألة فقهية تُعرف بـ "اختلاف المطالع".
فبعض الفقهاء يرى أن رؤية الهلال في أي بلد إسلامي تُلزم بقية المسلمين بالصوم (اتحاد المطالع)، بينما يرى آخرون أن لكل بلد رؤيته الخاصة المرتبطة بأفقها الجغرافي (اختلاف المطالع). ومع تطور وسائل الاتصال، تميل الهيئات الدولية للتقريب بين هذه الآراء، إلا أن السيادة الوطنية لكل دولة في تحديد مواعيدها الدينية تظل هي المعمول بها.
وفي نهاية المطاف، يبقى الهدف الأسمى من الرؤية الشرعية هو تحقيق الوحدة الروحية، حيث يمثل استطلاع الهلال لحظة تجمع القلوب على عبادة واحدة، بغض النظر عن الوسائل التقنية المستخدمة، لتظل هذه السنة النبوية حية في وجدان الأمة عبر الأجيال.
