بصمة لا تمحى في "علامات": سعيد السريحي يرحل مخلفًا وراءه ثورة في نقد الشعر والسرد

سعيد السريحي
سعيد السريحي

خيم الحزن على الأوساط الثقافية والأدبية في المملكة العربية السعودية والعالم العربي، إثر إعلان وفاة الأديب والمفكر والناقد الكبير الدكتور سعيد السريحي، الذي غيبه الموت مساء أمس بعد معاناة طويلة ومريرة مع عارض صحي حاد.

 وكان الفقيد قد تعرض لأزمة صحية قاسية بدأت بنزيف في الدماغ في شهر أكتوبر الماضي، أُدخل على إثرها إلى غرفة العناية المركزة في أحد المستشفيات المتخصصة، حيث ظل يصارع المرض وسط دعوات محبيه وتلامذته، حتى أسلم الروح لبارئها، تاركًا خلفه فراغًا كبيرًا في المشهد الفكري الذي كان أحد أبرز أعمدته طوال العقود الأربعة الماضية. 

وبرحيله، فقدت الحركة الثقافية وجهًا مضيئًا ممن أحدثوا حراكًا وتفاعلًا وطرحًا تنويريًا اتسم بالجرأة والموضوعية، حيث لم يكن السريحي مجرد كاتب عابر، بل كان مشروعًا فكريًا متكاملًا يسعى لإعادة قراءة التراث والواقع بعيون ناقدة وبصيرة نافذة لا تغيب بمرور الزمن.

الجذور والمسيرة الأكاديمية الحافلة بالعطاء

ولد الدكتور سعيد السريحي في حي الرويس بمدينة جدة عام ١٣٧٣ هـ، حيث نشأ وتشرب من عبق هذه المدينة وتنوعها الثقافي، ليدرس مراحل تعليمه العام بمدارس جدة قبل أن ينطلق في رحلة أكاديمية متميزة. أكمل السريحي تعليمه الجامعي والدراسات العليا في تخصص اللغة العربية العريق، حيث نال درجاته العلمية من كلية الشريعة ثم كلية اللغة العربية بجامعة أم القرى في مكة المكرمة. ولم يكتفِ الفقيد بالتحصيل العلمي بل انتقل لنشر المعرفة، حيث عمل في حقل التعليم لمدة عشرين عامًا، قضى منها سنتين في التعليم العام وثماني عشرة سنة أستاذًا وباحثًا في جامعة أم القرى، حيث تخرج على يديه أجيال من المتخصصين في الأدب والنقد. وقد عرف عنه الدقة المتناهية في أبحاثه والقدرة العالية على تفكيك النصوص الأدبية، مما جعله مرجعًا هامًا في فهم التحولات اللغوية والشعرية في الأدب العربي القديم والحديث على حد سواء.

ثلاثة عقود من الريادة في بلاط صاحبة الجلالة

إلى جانب مسيرته الأكاديمية، ارتبط اسم الدكتور سعيد السريحي بجريدة «عكاظ» السعودية العريقة، حيث التحق بالعمل الصحفي لقرابة ثلاثة عقود، تنقل خلالها بين مختلف الرتب التنفيذية والتحريرية. أشرف السريحي ببراعة على الأقسام الثقافية والشؤون المحلية والدولية، وعمل مساعدًا لرئيس التحرير ثم نائبًا مكلفًا لرئيس التحرير، مساهمًا في صياغة هوية الصحافة السعودية الحديثة. ورغم تقاعده من العمل الإداري الصحفي في شهر شعبان ١٤٣٣هـ، إلا أن قلمَه لم يتوقف عن العطاء، حيث استمر كاتبًا لزاوية يومية شهيرة بعنوان "ولكم الرأي"، والتي كانت بمثابة منارة فكرية يومية يحلل من خلالها القضايا الاجتماعية والثقافية بأسلوبه السلس والعميق في آن واحد، منتصرًا دومًا لقيم التحديث والعقلانية ومحاربة الانغلاق الفكري.

الإرث الإبداعي وتفكيك الخطابات السائدة

ترك الراحل سعيد السريحي خلفه مكتبة ثرية من المؤلفات والدراسات التي تعد حجر زاوية في النقد العربي المعاصر. ومن أبرز مؤلفاته "شعر أبي تمام بين النقد القديم ورؤية النقد الجديد"، وكتاب "الكتابة خارج الأقواس: دراسات في الشعر والسرد"، بالإضافة إلى عمله الهام "حجاب العادة: أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة". ولم يتوقف نتاجه عند النقد الأدبي المحض، بل غاص في دراسات أنثروبولوجية وفكرية مثل "غواية الاسم: سيرة القهوة وخطاب التحريم". ولعل أبرز مساهماته الفكرية تجلت في شجاعته في تفكيك "خطاب الصحوة الإسلامية" وآليات هيمنته على المجتمع في حقبة معينة، حيث قدم رؤى نقدية ساهمت في تعزيز الوعي التنويري. وقد طاف الفقيد بمحاضراته وأبحاثه كبرى العواصم العربية والعالمية، من بغداد والقاهرة إلى باريس وزيورخ، مُمثلًا للثقافة السعودية في أرقى المحافل الدولية.

وداعًا كاتب "الحياة خارج الأقواس"

يغادرنا الدكتور سعيد السريحي بعد أن حرر كتابه السيري الأخير "الحياة خارج الأقواس"، ليغادر هذه الحياة فعليًا تاركًا خلفه إنجازات ثقافية ومواقف فكرية ستظل محل دراسة وتقدير من الأجيال القادمة. لقد كان عضوًا فاعلًا في مجلس إدارة نادي جدة الأدبي، ورئيسًا لتحرير مجلة "علامات" التي أحدثت نقلة في الخطاب النقدي، وعضوًا في لجان تحكيم أرفع الجوائز الأدبية العربية. إن رحيل السريحي ليس مجرد فقدان لشخص، بل هو طي لصفحة مشرقة من صفحات النقد التفكيكي والحداثي في منطقتنا. رحم الله الدكتور سعيد السريحي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه وطلابه الصبر والسلوان، ليبقى ذكره حيًا في كل سطر كتبه وفي كل فكرة غرسها في وجدان الثقافة العربية المعاصرة.