إفريقيا بين قطبين.. هل تملك القارة خيارًا ثالثًا بعيدًا عن صراعات الكبار؟
تشهد الساحة الدولية “مطرًا” من الصفقات التجارية الكبرى، حيث تتسابق القوى العظمى لإعادة رسم خريطة تحالفاتها بعيدًا عن التقلبات السياسية، بينما تقف القارة الإفريقية في مهب الريح. ففي الوقت الذي تعزز فيه بريطانيا والاتحاد الأوروبي وكندا روابطها مع الصين ومجموعات اقتصادية مثل “ميركوسور”، تكتفي الدول الإفريقية بإبرام صفقات ثنائية صغيرة تفتقر لثقل التفاوض الجماعي.
ويحذّر الخبراء من أن استمرار هذا النهج “المجزأ” سيجعل من القارة مجرد “وجبة خفيفة” في مأدبة القوى العظمى، ما لم يستجب القادة لتحدي “التوحد أو السقوط”، إن غياب الصوت الموحد للاتحاد الإفريقي يهدد بخسارة تاريخية في “التدافع الجديد على إفريقيا”، حيث تُنهب الموارد وتُوقع اتفاقيات تفتقر للندية، كما حدث في تعليق اتفاقية صحية كينية أمريكية مؤخرًا بسبب مخاوف الخصوصية.
عقبات هيكلية وتحديات السيادة الوطنية
يصطدم طموح الوحدة التجارية الإفريقية بعائقين جوهريين؛ أولهما أن الاتحاد الإفريقي ليس هيئة “فوق وطنية” مثل الاتحاد الأوروبي، مما يجعله عاجزًا عن فرض قراراته.
كما يبرز التنوع الاقتصادي الهائل واعتماد الدول على الرسوم الجمركية كحواجز تحول دون صياغة سياسة موحدة، مما يسمح بانتشار بيئة تجارية فوضوية تستنزف موارد القارة حسب وكالة “بلومبرج”، 6 فبراير 2026.
كنوز منسية تحت رحمة الصفقات المنفردة
تمتلك إفريقيا أسرع أسواق الاستهلاك نموًا باحتياطيات هائلة من المعادن الحيوية مثل الكوبالت والبلاتين، التي تُعد “عصب” الثورة التكنولوجية والطاقة النظيفة عالميًا.
مع ذلك، تتفاوض دول مثل الكونغو وزامبيا بشكل منفصل مع القوى العالمية، مما يضعف نفوذها ويجعل عوائد هذه المعادن ضئيلة مقارنة بقيمتها الاستراتيجية الحقيقية في عام 2026، وفق “سي إن بي سي”، في نوفمبر 2025.
انهيار صناعة النسيج وصدمة الرسوم الجمركية
واجهت دول صغيرة مثل ليسوتو صدمة اقتصادية عنيفة بعد فرض رسوم جمركية أمريكية بنسبة 50%، مما أدى إلى انهيار شبه كامل لصناعة النسيج المحلية.
وبدلًا من التحرك الجماعي لإصلاح “قانون النمو والفرص في إفريقيا” (AGOA)، لجأت الدول الإفريقية لتقديم التماسات فردية لواشنطن، مما أدى لضعف موقفها التفاوضي وضياع حقوقها.
تغلغل صيني وتركي في العمق الأفريقي
تواصل الصين توسيع نفوذها عبر اتفاقيات تعدين ثنائية مع 11 دولة إفريقية، بينما تدخل تركيا بقوة برفع حجم تبادلها التجاري مع نيجيريا لـ5 مليارات دولار.
دفع هذا النهج المجزأ دولًا مثل زيمبابوي لتقييد الصادرات بشكل منفرد، مما يؤكد غياب الرؤية القارية الموحدة التي تضمن تعظيم العوائد من هذه الشراكات الدولية، حسب “سي إن إن”.
نزاعات حدودية واستبعاد موريشيوس
تتجلى غيبة الاتحاد الإفريقي في ملف جزر “تشاغوس”، حيث تقتصر المفاوضات على بريطانيا وأمريكا، بينما تُستبعد موريشيوس صاحبة الحق الأصلي رغم قرارات الأمم المتحدة.
وتعاني القارة من أكثر من مئة نزاع حدودي استعماري يزعزع استقرارها، دون وجود موقف إفريقي متكامل ينهي هذه الأزمات أو يواجه قرارات حظر السفر التعسفية.
تحوّل الاستثمارات الصينية نحو الاستهلاك المحلي
تشهد الاستثمارات الصينية تحولًا جذريًا من البنية التحتية والتعدين إلى قطاع المنتجات الاستهلاكية، مستهدفةً سوقًا ستصل إنفاقها الأسري لـ2 تريليون دولار بحلول 2030.
ورغم انخفاض استثمارات الصين في الموارد بنسبة 40%، إلا أن صادراتها من الإلكترونيات والمنسوجات لإفريقيا ارتفعت بنسبة 28%، مما يعزز هيمنتها على الأسواق المحلية الإفريقية.
