البرنس ماجد المهندس: كيف استطاع الحفاظ على هويته العراقية وتألقه السعودي؟

ماجد المهندس
ماجد المهندس

يُعد الفنان ماجد المهندس، المولود في الخامس والعشرين من أكتوبر عام 1971 في العاصمة العراقية بغداد، واحدًا من أبرز القامات الفنية التي نجحت في بناء جسر من الإبداع بين مدرسة العراق الغنائية العريقة واللون الخليجي المعاصر. ماجد، الذي وُلد باسم "ماجد عبد الأمير عذير العتابي"، لم يكن طريقه مفروشًا بالورود، بل كان مزيجًا من المعاناة والإصرار والتمرد على الواقع لصناعة مستقبل يليق بصوته الذي وصفه الجمهور بـ "الألماسي". نشأ ماجد في عائلة تنحدر من مدينة الكوت، وتربى في "مدينة الثورة" ببغداد، حيث بدأت أولى ملامح موهبته تتبلور بعيدًا عن أعين والده الذي كان يرى في الفن طريقًا غير مضمون.

البدايات القاسية: من مهنة الخياطة إلى حلم الغربة في الأردن

قبل أن يتربع على عرش المسارح الكبرى، عمل ماجد المهندس مع والده في محله الشهير "المقص الذهبي" بسوق الكيارة، لكن نداء الموسيقى كان أقوى من صوت مقص القماش. رغم دراسته لهندسة ميكانيك الطيران، إلا أنه قرر التمرد والسفر إلى الأردن بعد معارضة شديدة من والده، ليعيش هناك فصولًا من الكفاح المرير، حيث اضطر للعمل خياطًا في النهار ومطربًا وعازف عود في المساء لتوفير لقمة العيش. لم تكن الغربة سهلة، فقد مر بلحظات انكسار حين رُفض صوته في البداية من قبل لجنة اختبار في الإذاعة، لكنه لم يستسلم وعكف على دراسة أصول الموسيقى حتى اعتمده كبار الأساتذة مطربًا شابًا في الإذاعة والتلفزيون العراقي، ليبدأ أولى خطواته الرسمية في عام 1991 مع أغنية "المشكلة".

الانطلاقة الكبرى: فائق حسن وشركات الإنتاج التي صنعت النجومية

شكل لقاء ماجد المهندس بالشاعر والمنتج فائق حسن نقطة تحول جوهرية في حياته، حيث أصبح الأخير مدير أعماله ورفيق دربه في النجاح. بدأت الرحلة الاحترافية مع شركة "الخيول" التي أنتجت له أربعة ألبومات ذاع صيتها في الوطن العربي، ثم جاء الانتقال الكبير لشركة "روتانا" تحت رعاية الأمير الوليد بن طلال، لتفتح له أبواب الشهرة على مصراعيها. حصد ماجد الجوائز الأولى في مهرجانات الأغنية العربية بالمنامة والأردن، واستطاع بصوته الدافئ أن يحجز مكانة مرموقة كواحد من أهم مطربي الصف الأول، ملقبًا بـ "أمير الغناء العربي"، ومشاركًا في تحكيم برامج عالمية بنسختها العربية مثل "سعودي آيدول".

الجنسية السعودية والجدل حول الهوية: الانتماء والوفاء للبلدين

في عام 2010، وبمكرمة ملكية من الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، حصل ماجد المهندس على الجنسية السعودية تقديرًا لإبداعه ومساهمته الفنية الكبيرة، خاصة بعد تلحينه لأوبريت "الجنادرية". أثار هذا القرار في البداية بعض الجدل والاعتراضات من جانب بعض الجمهور العراقي، إلا أن ماجد رد بحكمة وهدوء مؤكدًا اعتزازه بجذوره العراقية وولائه لبلده الثاني السعودية التي احتضنته وكرمته. وأوضح مرارًا أن الجنسية هي تكريم لمسيرته وليست تخليًا عن وطنه الأم، مشددًا على أنه يمثل الإنسان العربي في كل مكان، وأن حبه للعراق يسري في دمه تمامًا كما يكن كل التقدير والمحبة للمملكة التي منحتها الأمان والتقدير.

الحياة الشخصية والأثر العاطفي: قصة "حبك قتلني محمد"

بعيدًا عن الأضواء، تتسم الحياة الأسرية لماجد المهندس بالهدوء والخصوصية، حيث مر بتجربة زواج واحدة من سيدة تونسية تحمل الجنسية الفرنسية. انتهت هذه التجربة بالانفصال بعد إنجاب ابنهما "محمد"، وقد تركت قضية الحضانة وبعد ابنه عنه أثرًا بليغًا في نفسه، تجسد في واحدة من أكثر أغانيه تأثيرًا وصدقًا وهي أغنية "حبك قتلني محمد". يعكس هذا الجانب من حياته مدى شفافية مشاعره وارتباطه الوثيق بعائلته، وهو ما يفسر الصدق العالي الذي يصل للجمهور في كل مرة يغني فيها عن الفقد أو الشوق، مما جعله سفيرًا للمشاعر الإنسانية قبل أن يكون سفيرًا للماركات العالمية الفاخرة مثل دار "معوض" للساعات.

رؤية فنية متجددة لمستقبل البرنس في 2026

في ختام هذا التقرير، يظل ماجد المهندس نموذجًا للفنان الذي طوع الصعاب وحول اليأس إلى نجاح باهر. إن مسيرته الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود تثبت أن الموهبة الحقيقية المقترنة بالأخلاق والاجتهاد هي التي تضمن الخلود في ذاكرة الجمهور. مع استمرار تألقه في عام 2026، يبقى ماجد المهندس رمزًا للتوازن الفني، محافظًا على رصانته المعهودة وحضوره الطاغي على المسرح، ومستمرًا في تقديم أعمال موسيقية تلامس الوجدان، مؤكدًا أن الفن لا يعرف حدودًا ولا جنسيات حين ينبع من قلب صادق وموهبة استثنائية.