وفاة المستشار محمد ناجي شحاتة.. القاضي الذي واجه التهديدات بكلمة القانون
غيّب الموت، فجر أمس، المستشار محمد ناجي شحاتة، رئيس محكمة الجنايات ورئيس محكمة أمن الدولة العليا السابق، ليرحل بذلك واحد من أبرز القضاة الذين تصدروا المشهد القضائي في مصر خلال سنوات عصيبة أعقبت ثورة 30 يونيو 2013. لم يكن المستشار شحاتة مجرد قاضٍ تقليدي، بل كان حجر الزاوية في منظومة العدالة الجنائية التي نظرت في ملفات شديدة الحساسية والخطورة، حيث ارتبط اسمه بإدارة دوائر قضائية واجهت أعقد قضايا العنف السياسي والإرهاب التي ضربت البلاد في تلك الفترة، مما جعله محط أنظار الرأي العام المحلي والدولي على حد سواء بفضل صرامته المعهودة وأحكامه التي وُصفت بأنها كانت الأكثر حزمًا في مواجهة جماعات العنف والتحريض.
مذبحة كرداسة: اللحظة الفارقة والشهادة تحت ظلال الخوف
تُعد قضية "أحداث كرداسة" المحطة الأبرز في مسيرة المستشار الراحل، حيث ترأس دائرة محاكمة المتهمين في واقعة اقتحام مركز شرطة كرداسة في أغسطس 2013، وهي الجريمة البشعة التي أسفرت عن استشهاد 11 ضابطًا والتمثيل بجثامينهم في مشهد صدم الضمير الإنساني. أصدر شحاتة في هذه القضية أحكامًا تاريخية بالإعدام والسجن المشدد، وفي تصريحات تلفزيونية سابقة كشف فيها عن جانب إنساني عميق، حيث أكد أنه كان يدرك تمامًا خطورة ما يقوم به، مشيرًا إلى أنه قرأ الفاتحة ونطق الشهادة فور خروجه من قاعة المحكمة بعد النطق بالحكم، لشعوره اليقيني بأنه أصبح مستهدفًا بشكل مباشر، خاصة في وقت لم تكن فيه الحماية الأمنية للقضاة قد اكتملت بالشكل الكافي لمواجهة إجرام تلك التنظيمات.
من خلية الماريوت إلى مسجد الاستقامة: أحكام دوت أصداؤها عالميًا
لم تتوقف مسيرة المستشار محمد ناجي شحاتة عند قضايا الإرهاب المسلح فحسب، بل امتدت لتشمل قضايا شغلت الرأي العام العالمي، وعلى رأسها القضية المعروفة إعلاميًا بـ "خلية الماريوت"، التي ضمت متهمين أجانب ومصريين في قضايا تتعلق بالأمن القومي، وانتهت بأحكام مشددة أكدت سيادة القانون المصري، قبل أن تُحل تداعياتها لاحقًا عبر الأطر القانونية للترحيل. كما أصدر الراحل أحكامًا بالمؤبد وبأحكام غيابية بالإعدام في قضية "مسجد الاستقامة" بحق قيادات بارزة في جماعة الإخوان المسلمين، مثل محمد بديع وصفوت حجازي ومحمد البلتاجي، مما رسخ مكانته كقاضٍ لا يتردد في إنفاذ القانون في مواجهة أشد القيادات نفوذًا، مؤمنًا بأن منصة القضاء هي الدرع الحامي لكيان الدولة المصرية.
غرفة عمليات رابعة ومجلس الوزراء: مواجهة الفوضى بمطرقة العدالة
أثبت المستشار شحاتة قدرة فائقة على إدارة القضايا ذات الأعداد الكبيرة من المتهمين والوقائع المتشعبة، كما ظهر في قضية "غرفة عمليات رابعة"، حيث أحال أوراق قيادات الجماعة للمفتي، وفي قضية "أحداث مجلس الوزراء" التي شملت 268 متهمًا، من بينهم الناشط أحمد دومة، وأصدر فيها أحكامًا بالسجن المؤبد وغرامات مالية ضخمة. كان الراحل يرى في هذه المحاكمات وسيلة لإعادة الانضباط للشارع المصري وتثبيت أركان الدولة بعد فترة من الاضطرابات السياسية، وكان يتعامل مع كل ملف قانوني بجدية تامة، محاولًا الفصل بين ضغوط الشارع وبين نصوص القانون التي تملي عليه حماية الصالح العام وضمان عدم تكرار جرائم التحريض والتخريب.
مواجهة التهديدات: الحياة على فوهة بركان وقوائم الاغتيال
في حواراته الصحفية الأخيرة، تحدث المستشار محمد ناجي شحاتة بكثير من الصدق حول الثمن الشخصي الذي دفعه جراء تصديه لهذه الملفات، حيث أكد أنه وُضع رسميًا على قوائم الاغتيال من قبل التنظيمات الإرهابية، وتعرض لتهديدات مباشرة طالت أسرته ومحيطه الشخصي. ومع ذلك، كان دائمًا ما يردد أن "العمر بيد الله" وأن القاضي الذي يخشى التهديدات لا يستحق الجلوس على المنصة. لقد عاش المستشار الراحل سنواته الأخيرة في حماية أمنية مشددة، لكنه ظل محتفظًا بصلابته ومبادئه حتى اللحظات الأخيرة، مؤكدًا أن التاريخ هو من سيحكم على نزاهة وشجاعة القضاء المصري في أصعب لحظاته التاريخية، ليرحل فجر اليوم تاركًا وراءه إرثًا قانونيًا سيظل مادة للبحث والنقاش لسنوات طويلة.
